Skip to content

مجاعة بخارى

مايو 15, 2014

يذكر كثير من أبناء و أحفاد من هاجر من تركستان الفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية و البلشفية في حق سكان تلك البلاد، و لكل منهم قصة و حكاية يرويها عن جده أو من عاصر تلك الفترة الشنيعة. مررت بنص مكتوب في كتاب “The Land Beyond the River” أو “أرض ما وراء النهر” للكاتبة مونيكا ويتلوك، و الذي يتحدث عن تركستان و أهلها في تلك الحقبة، و يسرد العديد من القصص منها قصة “داملا هندستاني” و التي نقلتها هنا من قبل. تروي الكاتبة عن المجاعة التي حلت بمدينة بخارى و ما حولها من مدن تركستان، بسبب السياسات الزراعية التي اتخذتها الحكومة الشيوعية، على لسان أهل المنطقة، سأحاول ترجمة ما ورد في هذا الكتاب في السطور التالية:

أطلقت قيادة الثورة البلشفية عام ١٩٢٨/٩ الخطة الخمسية تحت عناوين براقة، “ثورة أخرى” كما زعم ستالين و قال “سنحقق تنمية مئة عام في عشر سنين”. و سريعاً بدأ تنفيذ الخطة التي ما لبثت قليلاً حتى اشتدت وطأتها على تركستان، فقد الكثير من التجار و الصناع أعمالهم، و أغلقت مصانع الحرير و الورق المشهورة في قوقند و بنيت محلها مصانع صغيرة، أما في بخارى فلم يعد هناك زبائن عند الحرفيين من النجارين و البنائين و الدباغين و الصاغة. كما لم تكن هناك بضائع لينقلها أصحاب المراكب في نهر أمو “جيحون”، يقول أحد كبار السن من بخارى “الفرق بين العهد السوڤييتي و ما قبله أننا كنا نصنع الأشياء، كان الرجل حداداً، أو جواهرجياً، فيتبع الابن والده في صنعته، حتى أتى السوڤييت فحولونا إلى مزارعين أو عمال في المصانع.

أرسلت الحكومة السوڤييتية “خبراء” زراعيين إلى مختلف النواحي، و كانت مهمتهم إنشاء “كولخوز” و “سوڤخوز” و هي مزارع مملوكة للدولة لتكون العمود الفقري للاقتصاد السوڤييتي، و كان معظم هؤلاء من الروس و الأوكرانيين و بعض التتار، كانت خبراتهم محدودة و تدريبهم قليلاً، هذا إن كانوا قد تلقوا بعض التدريب، انتقلوا من مناطق الشمال الباردة إلى صحاري تركستان و التي كان يزرع فيها بعض الشعير و الشمام، و لم يعرفوا كيف يتصرفون مع هذه البيئة المختلفة عن بيئتهم، كل ذلك كان تحت مسؤليتهم بعيداً عن خبرة أهل المنطقة الذين أرسل الروس من لم يرق لهم منهم إلى معتقلات سيبيريا ليعملوا كالعبيد، أو من هاجر منهم إلى أفغانستان و أبعد من ذلك.

لم يكن أمام الخبراء سوى إعادة تخطيط تلك القرى و المزارع بالأسلوب الروسي حيث كان يظن بعضهم حقاً أنهم حملة التطور و التقدم لهذا الشعب الذي اعتبروه رجعياً، قاموا بإزالة الأسقف عن بعض الأزقة المظللة “ليدخل الضوء” في ظل حرارة تقارب الخمسين، و اتخذوا لأنفسهم مكاتب ذات نوافذ غير مظللة. يروي قادر بابا و الذي كان يسكن إحدى قرى خوارزم “أتى السوڤييت و صادروا أرضنا و خيولنا و أبقارنا بالقوة، هدموا القرية بمساجدها السبعة، و أنشؤوا شارعاً بنوا البيوت المتلاصقة على أطرافه، و أسموها “كولخوز” و أمرونا بالذهاب إليها و توحيد أراضينا، لم نكن نعرف ماذا يقصدون بتوحيد أراضينا، من رفض تلك الأوامر اعتقلوه، و في خلال سنة كان الجميع منصاعين لأوامرهم”.

كانت كل تلك الأوامر قابلة للتنفيذ من غير الحاجة إلى عصيان مدني، حتى أتى الأمر للرجال بنزع الحجاب، المصنوع من شعر الخيل، عن وجوه نسائهم. و كانت النسوة يبقين في البيت و يقمن بشؤون أسرهن و رعاية الأبناء. أجبرت النساء على الخروج و العمل في الحقول و المصانع و بذلك أصبحن أول جيل من النساء يحملن عملين على عاتقهن، العمل في المصنع و العمل في البيت. كان خلع الحجاب صادماً لأهالي تلك القرى، فحمل بعضهم العصي و هاجموا المسؤولين السوڤييت، و لكن تلك المقاومة لم تدم طويلاً.

تذكر السيدة “إكرامة” و هي ابنة لكاتب المحكمة في شهر سبز، أن صديقاً لزوجها أتى للعشاء يوماً و قد عينه الروس رئيساً للشرطة، ثم أتى بعد ذلك بيومين متهماً زوجها بأنه عدو للثورة و اعتقله ليرسله للعمل في “القولاق” بسيبيريا. و بعد ذلك اختطف السيدة إكرامة و أقنعها بأنه أصبح زوجاً لها. قصتها هي واحدة من ملايين القصص التي لم تسجل، كان عدد من أرسلوا للعمل في سيبيريا حوالي أربعين ألفاً من التركستانيين الذين اتهموا بالعداوة للدولة و ممارسة الطبقية، و بلغ عدد المنفيين من داخل الاتحاد السوڤييتي إلى ستة ملايين شخص أرسلوا للعمل كعبيد في مشاريع تلك الدولة. كما كان هناك عدد ليس باليسير من الأوزبك من بين النصف مليون شخص الذين عملوا في شق قناة من بحيرة أونيگا إلى البحر الأبيض داخل الدائرة القطبية الشمالية، حيث واجه المسلمون منهم صعوبات في صوم رمضان في نهارات الصيف بالقطب الشمالي، حيث لا تغرب الشمس لعدة أيام.

كانت تجربة الكولخوز، أو السياسة الزراعية للاتحاد السوڤييتي، فاشلة بكل المقايس، حيث لم يأت شتاء عام ١٩٣٢ إلا و قد حلت المجاعة بأوكرانيا و جنوب روسيا و من ثم زحفت إلى كازاخستان و بقية تركستان. يذكر محمد جان شكوروڤ، ابن الأديب البخاري المشهور صدر الضياء، ” كان هناك طابورٌ طويلٌ جداً عند المخبز، و كنت في السابعة من عمري، وقفت لمدة طويلة لأتمكن من الحصول على ٤٠٠ گرام من الخبز لعائلتي. و عندما وصلت إلى المقدمة لم يعطوني شيئاً، لأن الخبز كان فقط للعمال (من الحزب الشيوعي) و والديّ لم يكونا منهم”.

كان صدر الضياء يعمل في المكتبة قبل الاحتلال الشيوعي، و لكنه فقد عمله هناك بعد دخول السوڤييت لبخارى، فانزوى في بيته يقرأ و يؤلف، يكمل محمد جان “كنا نفطر على الشاي الأسود صباحاً، و في المساء كنا نأكل پيابا ” بصل و ملح و ماء و زيت”، كنا نأكل أحياناً بعضاً من العدس لرخصه”. كان هذا التحول شنيعاً بعد أن كانت بخارى مركزاً للتجارة. “أتذكر البيوت الخاوية، كان نصف المدينة مهجوراً، باع الناس منازلهم و هربوا، إلى الجبال و أفغانستان، إلى أي مكان كانوا يستطيعون الهروب إليه”

لم تقتصر الحالة على المجاعة، فقد بدأ الروس بمصادرة ممتلكات من تبقى من الأهالي، بل كما يذكر محمد جان أنهم انتزعوا الشواهد الرخامية من على المقابر ليستخدموها في تعبيد الطرق. و يذكر أيضاً مصادرة الذهب من قبل رجال متوشحين بالسواد، يدورون من بيت لبيت ليأخذوا الذهب “لبناء المصانع”، و يذكر أنهم أتوا لعمته و انتزعوا منها أساورها و سلاسلها و جمعوها في مفرش الطاولة، طلبت منهم إيصالاً بقيمة الذهب، لكنهم لم يعطوها شيئاً.

كانت الحال أسوأ في القرى منها في المدن الرئيسية، تذكر السيدة إكرامة التي تسكن شهر سبز أن الحكومة صادرت كل الحدائق المنزلية و التي يعتمد عليها السكان في توفير غذائهم و اعتبرتها الحكومة “رفاهية زائدة”. و بغض النظر عن وظيفة زوجها كرئيس للشرطة، فإن ذلك لم يكن كافياً لها أو مانعاً لسد حاجتها، فكانت تنزل للسوق للعمل، تقول السيدة إكرامة “كل يوم قبل البدء في العمل كنا نحمل الجثث التي نجدها في الشارع، عشرة أو خمسة عشر جثة كل يوم، غالباً ما كانوا من الأطفال الذين تخلت عنهن أمهاتهم بعد أن خارت قواهن، كان الربيع أسوأ من الشتاء، بدأ الناس في أكل الجذور و البراعم، مما أدى لوفاة البعض. رأيت جثة فوق شجرة في إحدى الأيام، يبدو أنه كان يتسلق الشجرة ليأكل أوراقها”.

لم تقتصر المجاعة على الناس فقط إنما على الحيوانات أيضا، تقول السيدة إكرامة “كنت أسير يوماً و في يدي قطعة لحم، جاء نسر من السماء و خطفها من يدي”. تكمل قائلة “كانت الحيوانات تتصرف بشكل غريب بحثاً عن الأكل، سمعت صوتاً على الباب ذات ليلة، فظننت أنه كلب أو قط جائع يريد أن يبحث عن الطعام في المنزل، صمت الصوت في الصباح، ففتحت الباب لأرى رجلاً قد توفي من الجوع”. رزقت السيدة إكرامة بطفل في وقت المجاعة و لم تجد ما تطعمه سوى الجراد المطحون. تذكر سيدة أخرى من طاشكند أنها توجهت للجبال فلم تجد ما تطعم به أبناءها سوى سلحفاة برية، كسرت صدفتها و استخرجت منها اللحم. كان الناس يسيرون ثم يزحفون و يلقون بأنفسهم قرب السكة الحديدية على أمل أن يرمي الركاب لهم بقطعة خبز.

من فظائع الذكريات لهذه المجاعة تذكر إحدى السيدات صوت طرق على بابها، لتجد مجموعة من الرجال يطلبون منها فأساً لتقطيع حمار ميت وجدوه على الطريق ليقتسموا لحمه. لم يعلم أحد أن هذه المجاعة عمت جميع نواحي الاتحاد السوڤييتي البائد سوى بعد موت ستالين عام ١٩٥٣. قتلت المجاعة سبعة ملايين شخص على مستوى الدولة، و هي إحدى أسوأ الكوارث المسجلة في التاريخ. لم تنتشر الأخبار في ذلك الوقت لحرص الحكومة السوڤييتية على التكتيم، كان ممنوعاً على الصحف الكتابة عنها، و لم تصل أي مساعدات خارجية للداخل لأن أي ذكر لكلمة “مجاعة” كان عقابها ثلاث إلى خمس سنين في السجن، أو بكلمة أخرى: الموت المحتوم.

أصبحت المجاعة مقياساً للعديد من الناس للحياة الجيدة، كان توفر الدقيق و الزيت هو الوضع المثالي للجيلين القادمين و ما بعدهما، كما كانت المجاعة منظاراً يرى الناس به رفاهية عيشهم، حيث لم يعد هناك شيء أسوأ منها، و لم يعد أي ثمن غالياً لشراء حياة هادئة يتوفر فيها الطعام لسد الجوع، و لم تكن هناك سلطة تستحق الاحترام سوى تلك التي توفر الغذاء و السلام.

Advertisements
No comments yet

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: