Skip to content

عبدالرؤوف فطرت

مايو 9, 2013

كان عبدالرؤوف رشيد أوغلي فطرت الذي ولد عام ١٨٨٦ علامة فارقة في تاريخ التركستانيين الذين درسوا في اسطنبول، حيث قضى الفترة ما بين عامي ١٩٠٩ و صيف ١٩١٤ هناك، فطرت هو ابن تاجر غني من بخارى، تجول في أرجاء الامبراطورية العثمانية، و إيران، و تركستان الشرقية، درس في مدرسة مير عرب الشهيرة في بخارى، منحته جمعية “تربية الأطفال” بعثة للدراسة في اسطنبول، أثرت كثيراً في حياته الخاصة و في تركستان عموماً حينما عاد إليها،  و رغم ذلك لم تسجل الكثير من التفاصيل عن رحلته لاسطنبول. و لكن مما يذكر منها أنه نشر أول ثلاث كتب له في تلك الفترة، حقق اثنان منها أصداءاً واسعة هما “مناظرة بين مدرس بخاري و مدرس أوروبي”، و الكتاب الآخر “حكايات مسافر هندي”، كان أول ظهور لفطرت في الصحيفة الإسلامية “حكمت” و الذي كان ناشرها شاهبندرزاده فيليبيلي علي حلمي حيث أدت مشاكله مع جمعية الاتحاد و الترقي إلى إغلاق الصحيفة عدة مرات، و كتب فطرت أيضاً في “الصراط المستقيم” الدورية الإسلامية التي كان يحررها محمد عاكف إرسوي “كاتب النشيد الوطني التركي، و والدته بالمناسبة بخارية الأصل”. التحق عبدالرؤوف في عام ١٩١٤ بمدرسة الواعظين و التي افتتحت في ذلك العام، و كان من ضمن مناهجها التاريخ التركي و كان مدرس تلك المادة يوسف آقچورا مؤسس نظرية القومية التركية، تأثر عبدالرؤوف فطرت في أسلوبه ببعض المهاجرين الإيرانيين في اسطنبول، أبرزهم زين العابدين المراغي، في كتابه “سياحت نامه إبراهيم بيك” أو “مذكرات إبراهيم بيك في السفر”، و يبدو ذلك في أوضح صوره في “حكايات مسافر هندي”. تبدأ حكاية المسافر لدى وصوله لبوابة بخارى ليجدها مقفلة لحلول الظلام، و عند مجادلته مع حارس الباب تأتي عربة تحمل بعض الأرمن و اليهود لتفتح لهم البوابات من غير أي سؤال، بعد دخولهم تفتح البوابات مرة أخرى ليظهر أرمني ينادي أحداً، يتضح لاحقاً أنه كلبه، حيث يدخله معه و يبقى الهندي المسلم منتظراً في الخارج حتى طلوع الفجر ليدخل المدينة و يكتري عربة تقله لنزل، ليواجه زحاماً شديداً في الشوارع الضيقة، حيث يتضح أن السبب وجود عربة أخرى ترفض التحرك للاشيء، غير الكبر في نفس صاحب العربة. يدخل الناس في عراك، وحينها يسأل المسافر سائق العربة: أخي، ألا يوجد أحد من رجال الحاكم هنا ليفك هذا الاختناق؟ يجيبه سائق العربة: و ما لرجال الحاكم و لهذا الاختناق؟

عبدالرؤوف فطرت جالساً بين شخصين غير معرفين.

عبدالرؤوف فطرت جالساً بين شخصين غير معروفين.

و يستمر فطرت في وصف حالة الفوضى و اللامبالاة القائمة في تلك الفترة في شوارع بخارى من خلال عيون الزائر الهندي، و ينتقل الزائر إلى مدينة قارشي حيث يبهر بمهارة الصناع هناك، و يقف عند أحد كبار الحرفيين و يسأله: ما هو رأيك في مستقبل هذه الصناعة؟ يقف المعلم مندهشاً من هذا السؤال محاولاً فهم كنهه، فيعيد المسافر الهندي السؤال بصيغة أخرى: سيدي، هل ستكون حال هذه الصناعة بنفس المستوى و الجودة بعد عشر أو اثنتي عشرة سنة من اليوم؟ يفهم المعلم هذا السؤال، و لكنه لا يخفي دهشته لأن هذا السؤال لم يخطر على باله حتى هذه اللحظة، فيقول له الهندي: سيدي المبجل، عندما يقوم الأوروبيون بأمر ما فإنهم يضعونه نصب أعينهم، و كيف سيتطور في عشرة أو عشرين سنة، و حتى مئة أو مئتي سنة، صناع قارشي مهرة، ألا تفكرون في مستقبل هذه الصنعة؟ يجيب المعلم قائلاً: كانت تجارتنا ممتازة قبل بضع سنين، و لكن حالها اليوم ليس سيئاً جداً، الله أعلم بما سيحدث في المستقبل. فيجيب الهندي: صحيح، لكن هل عملتم أي شيء لضمان تطور هذه الصناعة في العشر سنين القادمة؟ فيجيب المعلم: أمورنا طيبة اليوم، الله أعلم من سيحيا و من سيموت في هذه العشر سنين!.

يستمر فطرت في شرح أهمية التخطيط للمستقبل بالنسبة لبخارى على لسان المسافر الهندي، و يستمر في شرح المصاعب الاقتصادية التي ستواجه بخارى، و يقترح الحلول لها. و ينتقل فطرت بعد ذلك للتحدث عن النظافة و الصحة العامة في بخارى، حيث يسقط المسافر الهندي مريضاً طريح الفراش و يعجز جميع من يدعي الطب من البخاريين عن مداواته، و يطلب المسافر الهندي طبيباً روسياً ينجح في معالجته، وينقل فطرت المحادثة بين المسافر الهندي و الطبيب الروسي عن الحالة الصحية، و التعليم الطبي في بخارى.

لم يسلم التعليم التقليدي في بخارى أيضاً من نقد عبدالرؤوف فطرت، فألف في ذلك “مناظرة بين مدرس بخاري و مدرس أوروبي” حيث يصادف هذا البخاري في طريقه إلى الحج رجلاً أوروبياً له معرفة واسعة بالدين الإسلامي، و شغف في معرفة المزيد عنه، فيسأل المدرس عن التعليم في بخارى و المناهج التي يدرسونها للطلبة هناك، فيشرح المدرس البخاري عن مناهجهم بالتفصيل، فيرد عليه الأوروبي بقوله “لم أتوقع في حياتي أن أسمع مثل هذه الخرافات! يا لها من مضيعة للوقت، يمضي الطالب سبعة و عشرين عاماً من حياته في دراسة تلك المناهج المكررة الضعيفة! متى يتسنى لهم الوقت ليدرسوا ما هو أهم من ذلك كله، التفسير و الحديث و الفقه؟” و لم يأت هذا النقد من فراغ فقد كانت المدارس “أو الكتاتيب” في ذلك الزمان تتبع منهجاً لا هدف له، فيدخل الطالب عند المدرس و يأمره بحفظ نصوص و أشعار بالعربية و الفارسية، لا يفقه الطالب كنهها و يظل يرددها حتى يحفظها، لا توجد فصول دراسية محددة، فيتقدم الطالب في المدرسة حسب اجتهاده الشخصي، و تخلو العملية من أي آلية لتقييم مدى استيعاب الطالب لما درس، هذا عدا عن أن بعض المدرسين الذين يفترض أنهم يدرسون العربية لا يتقنونها أصلاً.

حاول فطرت في ثنايا ذلك الحوار بين البخاري و الأوروبي إيضاح حقيقة أن هذه المدارس لا تقدم شيئاً مخرجاً عن الملة كما كانت حجة معارضيه، و إنما هي طريقة حديثة منظمة، تعطي نتائج أفضل للدارسين فيها، فحينما أورد في ذلك الحوار قول المدرس البخاري: “هذه المدارس الجديدة إنما تحول أطفالنا إلى كفار”، لم يكن يصف قولاً شاذاً أو مبالغاً في الوصف، و إنما كان يصف ما يدور في المجتمع، ففي ديسمبر من عام ١٩١٣ أعلن إمام جامع أولوغ بيك في سمرقند في خطبة الجمعة أن المدارس الحديثة و تعلم الروسية تعارض الشريعة،و أن من يرسل أبناءه إليها هو من الزنادقة. و في عام ١٩١٤ عارض سكان محلة “مداحي” في سمرقند افتتاح مدرسة حديثة معللين ذلك بأنهم لا يريدون مدرسة روسية في حيهم، كما وزعت منشورات في بخارى عام ١٩١٦ تحمل نفس المضمون المعارض.

رد المجددون على تلك الاتهامات بتفوق مناهجهم في تخريج طلاب وطنيين ملمين بشؤون الدين و العلوم الطبيعية. و كان رد فطرت بالتحديد على أن هذه المدارس تخرج كفاراً أن ذلك عكس الواقع تماماً، فهذه المدارس تخرج مسلمين صالحين و مواطنين مخلصين “مؤدب وطن پارواران”، و استقى رده من المنشورات التي وزعت في بخارى، و التي احتوت على أخطاء نحوية و إملائية عديدة فكتب: “فإذا كان التخلف التجاري و الأخلاقي و العلمي و الصناعي غير واضح لكاتبي هذه المنشورات، فهو واضح لغيرهم، فحينما نرى العجائب العلمية في العالم من التلفون و التلگراف أو سكة الحديد،  من المؤسف أنه ليس لدينا أحد يستطيع تعلم أسرارها، فضلاً عن أن خريجي المدارس التقليدية لا يستطيعون كتابة منشور بطريقة صحيحة!”

أدت حركة التجديد إلى بعث الروح القومية في تركستان، و خصوصاً بعد الثورة البلشفية حيث اعتبروها تهديداً مباشراً لمسلمي تركستان فتحولت لغة الخطاب إلى إحياء الروح القومية لدى الكتاب، و من المقالات التي لقت أصداءاً واسعة ذلك المقال الوطني القومي الذي كتبه في صحيفة حريت في يوليو من عام ١٩١٧ “يا طوران العظيمة، يا أرض الأسود! ماذا حل بك؟ ما هذه الأيام السوداء التي غشتك؟ ماذا حل بالترك العظماء الذين حكموا العالم يوماً ما؟ لماذا رحلوا؟ لماذا ذهبوا؟” ، و لم يقتصر هذا التأثير على مقالات فطرت فقط، و إنما بدأ يستعمل لغة تركية خالصة احتاج إلى أن يشرح مفرداتها لقارئه، بعد أن كانت جل كتابته بالفارسية، و في عام ١٩١٨ أصدرت في طاشكند صحيفة اسمها “ترك سوزي” أو “الكلمة التركية”  عن طريق منظمة اسمها “ترك أورتاقليغي” أو “الصداقة التركية”. كما قاد فطرت بعض الجهود لإحياء اللغة الچغطائية بين أدباء حركة التجديد تحت جمعية أسماها “چغطاي گورونگي” أو “الحوار الچغطائي” عملت على تعليم الشباب التركستاني و تثقيفهم بتاريخهم الموثق و تراث اللغة الچغطائية التركية، و كانت هذه الحوارات تتم خارج دائرة القانون السوڤييتي، و الذي عمل على إغلاقها عام ١٩٢٢. و من الجدير ذكره أن الدولة السوڤييتيية قامت بتوجيه تهمة “القومية” أو “معاداة السوڤييتيية” لعبدالرؤوف فطرت بعد أن ألف كتابه “مقتطفات من الأدب التركي القديم” حيث قدم كتاب محمود الكاشغري “ديوان لغات الترك” كموروث شعبي تركي عام، و تضمن كتابه إنكار تقسيم الترك إلى شعوب مختلفة، أما كتابه التالي “مقتطفات من الأدب الأوزبكي” ، و الذي تضمن نصوصاً بالتركية

توقيع عبدالرؤوف فطرت

توقيع عبدالرؤوف فطرت

لعلي شير نوائي و غيره من معاصريه التيموريين فقد لقي معارضة عظيمة كون المنظرين الشيوعيين لم يستسغوا ما فيه من الأدب الصوفي، و التخيلات الدينية،  و روائع سحر الشعر لأديب مثل علي شير نوائي أو حسن باي قرا،

و بالرغم من أن فطرت اتخذ الأوروبي كنموذج للتحضر و التقدم في حواره مع المدرس البخاري، إلا أن ذلك لم يمنعه من صب جام غضبه عليهم بعد تحالف الأوروبيين على اسقاط الدولة العثمانية في مقالة كتبها في صحيفة “شرق سياستي” أو “سياسة الشرق”،  عام ١٩١٩قائلاً  “إلى هذا اليوم، لم يعط الاستعماريون الأوروبيون أي شيء للشرق سوى اللاأخلاقية و الدمار، و بالرغم من أنهم أتو للشرق مدعين بأنهم سيفتتحون مدارس متحضرة، و كليات للإنسانية، و في الحقيقة لم يفتتحوا شيئاً سوى بيوت الخنا و الخمارات، سياسة “الاستعباد و التدمير” الأوروبية حاضرة في جميع نواحي الشرق و العالم الإسلامي، و بلغت آفاقاً جديدة بعد الحرب الأخيرة، احتل البريطانيون كل أراضي العرب و لم يتبق سوى الحجاز، و التي سيبتلعونها قريباً. سينصبون علينا منافقاً منهم يدعي الإسلام، و يجعلونه خليفة يحكم ٣٥٠ مليون مسلم، و سنتحول جميعاً إلى عبيد لهم” و لكن الحل الذي اقترحه فطرت في ذلك الوقت خانه فيما بعد حيث يقول “الحل الوحيد للمسلمين و الشرقيين هو طلب المساعدة من روسيا السوڤييتية، و التي بدأت بمحاربة القوى الاستعمارية، يجب علينا اليوم ترك كل شيء و التركيز على محاربة الإنگليز، و لنفعل ذلك يجب علينا مصادقة كل عدو لهم”.

أما عن المناصب التي تقلدها عبدالرؤوف فطرت فقد تدرج من موظف في سفارة أفغانستان بطاشكند قبيل سقوط إمارة بخارى عام ١٩٢٠، و تنقل بين عدة مناصب وزارية في جمهورية بخارى الشعبية و التي عاشت قصيراً بين عامي ١٩٢١ و ١٩٢٣، كان أبرز أدواره فيها “تاشقي إشلار ناظري” أو وزير الشؤون الخارجية، و كانت توجهاته السياسية مطابقة لتوجهات إسماعيل بي گاسپرالي المصلح الشهير من تتار القرم، و قد تولى فطرت وزارة التعليم أيضاً في عشرينيات القرن الفائت، و لأن الساسة السوڤييتيين استنتجوا أن فطرت لم يكن ليسلم عقله لهم و لمبادئهم فقد عملوا على إبعاده من تلك المناصب الوزارية واحدة تلو الأخرى، و طرد نهائيا من جمهورية بخارى الشعبية، و لم يكن فطرت وحده هو الذي أبعد من المناصب السياسية في تلك الفترة فقد أبعد معه عدة مثقفين عملوا على بناء صورة مثالية واسعة الأفق لآسيا الوسطى، و يمكن القراءة من كتابات عبدالرؤوف فطرت و عبدالله أولاني أنها كانت صورة حرة و مستقلة لبخارى و خوارزم و تركستان عموماً، و هو ما أخرجهم من بين كتبهم إلى العمل السياسي، لم ينج عبدالرؤوف فطرت من حملة التصفيات التي شنها ستالين في ثلاثينيات القرن العشرين حيث كان على رأس قائمة بالمثقفين الوطنيين التركستانيين صدر في حقهم حكم بالإعدام عام ١٩٣٨.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1. Khalid, Adeeb. The Politics of Muslim Cultural Reform: Jadidism in Central Asia. Berkeley: University of California, 1998. Print.

2. Allworth, Edward. The Modern Uzbeks: From the Fourteenth Century to the Present : A Cultural History. Stanford, CA: Hoover Institution, Stanford University, 1990. Print.

Advertisements
2 تعليقان leave one →
  1. Ahmet KOÇKAROĞLU permalink
    مايو 9, 2013 9:51 صباحًا

    الله يقويك , ابداع كعادتك حفظك الله

  2. مايو 10, 2013 10:18 مساءً

    ما شاء الله عليك.. سامق دائماً بحرفك وكلمتك يا مولانا..
    تشكر إيداريم 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: