Skip to content

داملا هندستاني – الحج والعودة إلى الديار

أبريل 25, 2011

خلال تلك الأحداث كان محمدجان بعيداً عن الوطن، فقد قضى فترة في أفغانستان، و من ثم الهند. و في أواسط العشرينات من القرن العشرين كان هندستاني قد اقترب من نهاية تحصيله العلمي في أجمير، و انغمس في أسلوب الحياة الهندي حتى أعجب بطعامهم و أصبح يتحدث بلسانهم، و تأقلم مع جوهم الحار. و وجد محمدجان نفسه مهتماً بمجالات جديدة، فدرس علم الحيوان، و الفلك، و الرياضيات، و تعلم لعب الشطرنج بمهارة فائقة، و تعلم مباديء الصيدلة، و أصبح يحضر خلطات دوائية لأعشاب لا يوجد لها مثيل في بخارى. و في العام ١٩٢٧ بدأ سنته الأخيرة في جامعته، و هذه السنة هي السنة العاشرة التي لم ير فيها أهله و لم يروه، و لم تكن له أي وسيلة اتصال بهم، و لم يكونوا يعرفون مكانه، و بدا و كأنه قد استسلم لقدره الجديد بالعيش كهندي، فهو يجيد اللغة، و يلبس لباسهم و يتصرف مثلهم.

و في ذات يوم شعر بالاعياء و التعب بعد انهماكه في الدراسة، فأخذ بنصيحة الطبيب و وضع كتبه جانباً و بدأ بالمشي في وسط المدينة ليروح عن نفسه، و أخذته قدماه إلى محطة القطار حيث وصل قطار للتو، و قد كانت أجمير محطة يتوقف فيها الحجاج القادمون من آسيا الوسطى في طريقهم إلى مكة، و أخذ محمدجان يتمعن في وجوه الحجاج لعله يجد من يسأله عن أحوال البلاد، و قد ساعده الحظ بملاحظة ثلاثة من الأوزبك، حيث من السهل التعرف على وجوههم و ملبسهم، و قفز بسرعة إلى عربتهم ليسألهم عن الأخبار. و قد علت الدهشة وجوه الشيوخ الثلاثة من هذا الهندي الذي يتحدث بلغتهم و يسألهم عن أحوال بلادهم، و قد كانت الدهشة أكبر عندما صرخ أحدهم “إنه ابني، لقد وجدت ابني!”، و انخرطوا في عناق و بكاء.

قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ قرر رستم الخروج و البحث عن ابنه الذي لم يسمع أي خبر عنه منذ سنوات، فذهب أولاً إلى بخارى، و قاده بحثه إلى مزار الشريف، حيث لم يفلح في العثور عليه هناك، فاستسلم رستم لقدره، و قرر أن يؤدي ركن دينه الخامس بعد أن اشتعل رأسه شيباً قبل أن يوافيه أجله. و قد كان كان ما جمعه طوال حياته -١١٠ روبلات ذهبية-  كافياً لرحلته إلى مكة، و قد قرر ابنه محمدجان مرافقته إلى الحج.

عاد محمدجان إلى مدرسته ليلملم أغراضه استعداداً لرحلته، و أهدي إليه كتاب من زملائه اسمه “دليل الحاج في رحلته إلى مكة” كهدية تذكارية، و يذكر هندستاني أن هذا الكتاب أوصى الحاج بأن يصطحب معه ستة أو سبعة أطوال من الحبال، قدراً كبيراً، قارورة من الليمون المملح، و بعض الشاي الأسود. و أوصى الكتاب أيضاً بأن يحجز الحاج غرفته في الجزء العلوي من السفينة. و بعد أن ارتاح الأب و ابنه عدة أيام في الهند قررا المضي في رحلة الحج، و سافرا إلى بومباي حيث اعتلت صحة الوالد و اضطرا لأن يدفعا شيئاً من المال لموظف الشؤون الصحية لتمرير أوراقهما و السماح لرستم بالحج، و لم ير أي منهما البحر قبل ذلك، و ترددا كثيراً في دفع الروبيات الخمس للغرفة التي في الطابق العلوي كما أوصى الكتاب.

و بعد انطلاق السفينة من ميناء بومباي، ظهرت القيمة الحقيقة للكتاب، فقد بدأ كل الركاب في الجزء السفلي من السفينة بالشعور بدوار البحر، و كان دواؤه الليمون المملح، و قد باع هندستاني كل ليمونه بروبية، و قد استعمل حبله و قدره في جلب الماء من البحر للركاب لوضوئهم لصلاتهم، و يذكر هندستاني في مذكراته أن تلك النصائح البسيطة من الكتاب ساعدتهم على جمع مبلغ “طيب” من المال في تلك الرحلة التي امتدت أسبوعين في عرض البحر، و عند رسو السفينة في ميناء جدة، أخذ هو و والده قسطاً من الراحة و اغتسلا جيداً، و من اثم استأجرا جملين ليقلاهما إلى مكة.

عانى رستم كثيراً أثناء رحلة الحج، و بمساعدة ابنه استطاع أن يتم فريضته من طواف و سعي و رمي للجمار، و لكن المرض اشتد عليه فوافاه أجله في مكة، و بعد دفن والده سارع هندستاني بالعودة إلى الهند، و قد بلغ الآن الخامسة و الثلاثين، و بدا سؤال والده له عن تأخر زواجه و انشغاله بدراسته و هو في منتصف عمره يتردد في ذهنه، و قد استشعر في قلبه أنه على الرغم من لباسه الهندي فإنه لا يزال يعتبر غريباً، و قد قرر أن ينهى دراسته في أجمير و يتوجه إلى الوطن.

شق هندستاني طريقه إلى تركستان ماراً بمضيق خيبر الذي يفصل بين پاكستان و أفغانستان، و توقف في طريقه بمدينة جلال أباد ليزور قبر معلمه القديم الشيخ غوث قبل أن يكمل مسيره إلى كابل. و في تلك المدينة قابل العديد من الأوزبك و التاجيك المهاجرين، عدا عن أمير بخارى و حاشيته. و قد التقى هناك بصديق قديم من قوقند، حيث أخبره بالوضع القائم في تركستان، و ما آلت إليه الأمور، و نصحه بأن يخفي شهاداته الدراسية المتعلقة بدراسته الدينية في الهند لدى عبوره الحدود.

قصر خدايار خان في قوقند.

غادر هندستاني كابل ماراً بمزار الشريف، و التي كانت مليئة بالمهاجرين الأوزبك من بخارى و غيرها، متوجهاً شمالاً و عابراً نهر جيحون الذي يفصل اليوم بين أوزبكستان و أفغانستان. استقل هندستاني عبارة نقلته عبر نفس النهر الذي عبره قبل عشر سنين خلت، و رست العبارة على الضفة الأخرى عند مدينة ترمذ الشهيرة. كان على أبواب ترمذ هذه المرة سياج عليه جنود يرتدون زياً عسكرياً نقشت عليه شعارات الدولة السوڤيتيية، دققوا في أوراقه و سمحوا له بالدخول، و الرجوع إلى الوطن.

دخل هندستاني إلى محطة القطار ليأخذ مقعداً متجهاً إلى وادي فرغانة، قاطعاً الصحاري، و السهول، و الجبال، ليصل إلى قوقند، و يجد قصر الخان بنفس جماله، و بألوانه الزرقاء و الخضراء و الصفراء، تبرق في سماء المدينة المشمسة، و لكن الفرق هذه المرة أن القصر خاوٍ على عروشه، و في وسط المدينة، لم يكد يتعرف على بيوتها التي إما هجرها أهلها، أو أنها نهبت و سرقت أو احتلت من قبل الروس، و في قرى قوقند، اختفت عوائل بأكملها.

Advertisements
One Comment leave one →
  1. نوفمبر 19, 2011 3:56 صباحًا

    لنا الفخر ان نمر على مرابع فرغانه ونغرد على ارض قوقند ونغني مع عذارى طاجيك ونطرب بمعسول سمرقند ..فيالها من امة عظيمة تلك التي ولدتها رحم آسيا فتشعبت منها اعراق كما بنات الشمس يأبين على المغيب ويشرفني ان اكون من سلالتهن ..سلالة فرغانه وابنة الشمس رغم اسمي ومرجعي الفارسي والدماء العربية الاصيلة التي تجري في عروقي الا ان نصفي البخاري يشتعل في عروقي دوما فانصهر كماالزيت المبارك في سراج النور ..ورغم تحفظي كذلك على بعض المعلومات الواردة في المدونة الا ان تقديري ختام انسكابي
    فوفقكم الله للخير وسدد خطاكم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: