Skip to content

داملا هندستاني- الخروج من تركستان

أبريل 2, 2011

يقول هندستاني “كان الصيف في بخارى حاراً جداً”، و قد كان ذلك في سنة ١٩١٦، و في ذلك الصيف كان قد عاد إلى قريته في قوقند، و قد تنامى إلى سمعه أن الروس سيأخذون شاباً من بين كل خمس عوائل ليرسلوه إلى الجبهة ضد ألمانيا و النمسا، و قد كان اسم محمدجان بين المطلوبين للجيش، و قد نصحه والده بالعودة إلى بخارى بعيداً عن الروس الذين لم يحتلوها بعد. و بعد مغادرة محمدجان قامت ثورة في وادي فرغانة ضد الروس، و قام المزارعون و الرعاة بمهاجمة المستوطنين من السلاڤ، و لا توجد إحصاءات رسمية عن هذه الثورة التي عدت الأخطر ضد الاحتلال الروسي، و لكن بعض الضباط قدر الضحايا من السلاڤ بـ٢٥٠٠ قتيل، و لم يحص عدد القتلى من المسلمين، و اعتقل على اثر هذه الثورة ١٨٤ رجلاً في خوجند، أعدم ٢٢ منهم و حكم على البقية بالأشغال الشاقة و السجن.

أما في بخارى فقد بقيت المدارس مغلقة في الصيف، فقرر محمدجان مع بضعة من رفاقه زيارة ضريح الامام علي في مزار الشريف شمالي أفغانستان، حاملين معهم بعض الحواجي من القبعات و الكتب لتسهيل أمورهم في الطريق، فعبروا نهر جيحون، و استأجروا حماراً لنقل أمتعتهم، و سارت الرحلة على خير ما يرام، حتى استيقظ محمدجان ذات يوم ليجد أن رفاقه قد تركوه لسبب لا يعلمه، لم يكن لديه أي مال، أو أي شيء يمكن أن يبيعه لتصريف أموره. وجد نفسه وحيداً في بلد غريب، خالياً من أي شيء إلا من بعض الأسماء التي قد تساعده في أفغانستان، و قد قرر أن يمضي في رحلته بدلاً من أن يعود أدراجه إلى بخارى.

انطلق محمدجان في رحلته حتى وجد مسجداً يسمع من داخله ترتيل الأطفال لسور القرآن، و قد كان محمدجان قد تعلم ما يكفي من الفارسية في بخارى تمكنه من التخاطب مع الناس في أفغانستان، و قد شرح ما حصل له للمعلم، الذي رحب به و عرض عليه توفير مكان له شرط أن يساعده في تعليم الصغار، و دله على شيخ من الممكن لهندستاني أن يكمل تعليمه عنده. و قد ذهب محمدجان لمقابلة الشيخ مير محمد غوث، المتبحر في علوم الفقه، و قد شعر محمدجان بالاحباط عندما بدأ الشيخ مير محمد اختباره في أمور الفقه، و شعر أن ما أمضاه في تعليمه كان مضيعة للوقت. يقول هندستاني في مذكراته “لم تكن دراستي في قوقند أو بخارى ذات فائدة تذكر، أدركت أننا في بلادنا كنا نحفظ النصوص فقط، أدركت هنا أن الاسلام أعم و أشمل من ذلك، و علمت أن هناك العديد من المدارس و المذاهب التي من الممكن للشخص أن يتبحر فيها”، و قد قبل الشيخ غوث أن يضمه إلى طلابه.

و قد أمضى محمدجان سنيه في أفغانستان دارساً للعديد من العلوم المقررة لطالب العلوم الشرعية، و يذكر من ذلك الصرف و النحو، و الحركات، و كافية ابن حاجب و شرح عبدالرحمن الجامي، و العلل، و كتب النحوي عزالدين عبدالرحمن الزنجاني، و من كتب المنطق شرح بديع الميزان، و ميزان المنطق، و تهذيب المنطق و الكلام لسعدالدين التفتزاني، و شمسية نجم الدين القزويني، و حاشية قطبي في شرح الشمسية، و اهتم محمدجان بكتاب “شرح” في تفسير القرآن الكريم لبي دل الأديب الشهير في آسيا الوسطى من القرن السابع عشر، و الذي تعتبر كتبه من الركائز في التعليم في آسيا الوسطى.

و اصطحب الشيخ مير محمد غوث طالبه محمدجان معه إلى جلال أباد إثر تعيينه قاضي القضاة في تلك البلاد، في إشارة إلى رضاه عن مستوى طالبه، و قد تفرغ للتدريس فجراً قبل ذهابه إلى مكتبه كقاض، و عندما شعر مير محمد غوث بالكبر نصح طالبه النجيب بالذهاب إلى الهند لطلب العلم في مدارسها الشهيرة، فأكمل هندستاني مسيره في عام ١٩٢٠ إلى الهند عابراً معبر خيبر باتجاه الشرق، ليصل إلى أجمير في راجستان، حيث اختار المدرسة العثمانية ليكمل تعليمه فيها.

في أثناء غياب محمدجان عن بخارى حدثت أمور عديدة، ابتداءاً باستجابة الأمير عالم خان لمطالب الاصلاحيين و تعيين الأديب “صدر ضياء” كقاضي القضاة في بخارى، و من ثم تهجم طلاب المدارس الدينية عليه، و ضربه حتى أفقدوه الوعي، الأمر الذي أجبر الأمير للاستجابة لمطالبهم و عزل صدر ضياء عن القضاء بينما كان غائباً عن الوعي في مدينة “نسف”، و أصدر أمير بخارى حكماً بالإعدام عليه، لكن أمير نسف و الذي كان معجباً بصدر ضياء رفض أن ينفذ عليه الحكم. و في نفس الوقت قامت الثورة البلشڤية في روسيا في فبراير من عام ١٩١٧، و استنجد مجموعة من من أطلقوا على أنفسهم لقب “المجددين” بالجنود البلاشڤة لاحتلال بخارى و عزل أميرها، و بالفعل هجم الروس على بخارى بمعاونة “فيض الله خوجة” ابن أحد أغنى

دخول الروس إلى مدينة خيوة.

تجار بخارى و قتها، و كان ذلك في الأول من مارس عام ١٩١٨، و دافع عنها أهلها ببسالة دهش منها حتى فيض الله نفسه، حيث يقول “قاتلونا مع ضعف تسليحهم، و كانت أسلحتهم الهراوات و السكاكين و الفؤوس و السيوف الصدئة. رأيت بنفسي واحداً منهم يهجم على أحد مشغلي المدافع الآلية، و عصاه في يده و سكينه في فمه، و انقض عليه و قتله”.

أجبر المقاومة الجنود الروس على التراجع، و أمر الأمير عالم خان بقطع خطوط السكة الحديدية لمنع وصول الجنود مرة أخرى، و أصدر أوامر مماثلة لأمراء المدن الأخرى، و أرسل الهدايا إلى أفغانستان و فارس طمعاً في مساعدتهم له على حرب الروس، و أعلن الجهاد عليهم. و لكن و بعد سنتين من المقاومة سقطت بخارى في يد البلاشڤة و وصلت الأخبار إلى صدر ضياء و الذي أراد أن يذهب إلى بخارى و يتأكد بنفسه، فجمع بعض ما عنده و سار مع بعض رفقائه إلى بخارى في صيف عام ١٩٢٠، و يصف رحلته قائلاً “دخلنا إلى الصحراء حذرين، نمشي مرة في الطريق، و مرة بعيداً عنه، كانت الأرض حارة كفرن حداد” ، و كانت الأوضاع خطيرة، فالمنشقون عن جيش بخارى اشتغلوا في قطع الطريق، يقول ضياء “كان القوي يأكل الضعيف، و كان الجرحى و القتلى على قارعة الطريق أكثر من أن يعدوا، و رأينا عدة مرات من أخذ من على الطريق، فإما سلب، و إما قتل”. و لم يكن حال الجنود الروس بأحسن منهم، فقد نهبوا كل قرية دخلوها، و خصوصاً الخيول، و من قاومهم قتلوه. و يروي ضياء أنهم مروا على قرية قأرادوا أن يستريحوا فيها فلم يجدوا فيها أحداً من أهلها.

يكمل صدر ضياء قوله “مضينا على هذا الحال يومين و ليلتين، و لم نجد في طريقنا أي مكان أو نزل نستريح فيه، و في الليل كانت الأرض فراشنا و السماء لحافنا، و بلغ الأطفال و الكبار العطش الشديد، و كان الجميع على حافة الموت. و بالصدفة رأينا بئراً،  و لم يكن معنا حبال، فربطنا ألجمة الأحصنة و استخدمنا أحد أكياس غذاء الحصان كدلو، و أدلينا الوعاء إلى البئر و أخرجناه، فكان مليئاً بالحشرات مثل ما لم نر من قبل، و كان الماء الذي استطعنا سحبة ملوثاً بفضلات الحيوانات”

و أخيراً وصل صدر ضياء و من معه إلى بخارى، فيقول “وجدت قلب المدينة كغابة موحشة، و كان منظرها موحشاً بحيث يصيبك بالرعب، و يبث في نفسك الخوف، كل المباني العالية قد ضربت بالمدافع،و  كانت قلعة بخارى مضرمة بالنار، و مئذنة كالان التي زينت أفق بخارى لخمسمئة عام قد ضرب

الأمير عالم خان

أعلاها بقذيفة”. لم ينجم هذا الدمار عن فراغ،  فقد ظلت الطائرات تقصف هذه المدينة العتيقة و مبانيها التي بنيت من الطين و الخشب بالقنابل لثلاثة أيام متواصلة، و ظلت تحترق كشمعة وسط الصحراء، و في فجر اليوم الأخير من أغسطس، بدأ الهجوم البري بقيادة القائد البلشڤي أوميليوستي، و الذي سجل في مذكراته دهشته من صمود جدران هذه المدينة في وجه المدافع قائلاً” و لم نستطع اختراق الجدار إلا في اليوم الثالث، لنجد كل بيت و كل شارع و كل زاوية في المدينة مستعدة للقتال، و صب علينا الناس الماء المغلي، و رمونا بالحجارة، و كانوا تحت قيادة شيوخهم، و اضطررنا لتوجيه القتال نحو كل منزل و كل ميدان، حتى سقطت المدينة في أيدينا”. و رفع العلم الأحمر فوق منارة كالان في بخارى في الثاني من سبتمبر عام ١٩٢٠.

Advertisements
No comments yet

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: