Skip to content

داملا هندستاني-الرجل الأسطورة

مارس 24, 2011

داملا هندستاني، هو اسم مكون من مقطعين. داملا في عرف التركستانيين هو الشيخ أو المعلم، أما هندستاني، فهي نسبة إلى الهند، أو كما تعرف في آسيا الوسطى “هندستان”. و صاحب هذا الإسم هو الشيخ محمد جان رستم، من أبناء قرية “چار باغ” في قوقند. لقب بالهندستاني لدراسته في الهند، و هو رجل عاصر الكثير من الأحداث، ابتداءاً بسقوط خانية بخارى، و نهوض الثورة البلشفية، و الحربين العالميتين، حارب في صفوف جيش الاتحاد السوڤييتي، و اتهم  بعدة تهم أدت إلى نفيه مرة إلى روسيا البيضاء و مرة إلى سيبيريا، درس العديد من أبناء آسيا الوسطى في الحجرات السرية حتى أصبحوا شيوخاً، و عمر 

صورة نادرة لداملا هندستاني

طويلاً حتى كاد أن يكون عمره أطول من عمر الدولة السوڤييتية. خرج من قريته في ضواحي قوقند في عمر مبكر، و لم يعد إليها حتى قارب الأربعين، فقد طاردته الأحداث من بخارى إلى أفغانستان، إلى الهند، و من ثم حجه إلى بيت الله الحرام، و عودته إلى تركستان ليعمل في مصنع للزيوت، و من ثم يتم تعيينه كإمام لأحد مساجد دوشنبه في تاجيكستان، حتى توفاه الله. و سيرة هذا الرجل الأسطورة -الذي أتقن تسع لغات- تلخص العديد من ما عاناه الشعب التركستاني تحت الاحتلال الروسي البلشفي. قرأت سيرته في كتاب Land Beyond the River للكاتبة Monica Whitlock, و هو كتاب ممتاز يتحدث عن أراضي ما وراء النهر، و ما جرى فيها من أحداث من أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، و سأحاول إن شاء الله أن ألخص سيرته في عدة تدوينات.

ولد محمدجان في قرية چار باغ في ضواحي قوقند عام ١٨٩٢، حوالي ثلاثمئة ميل شرقي بخارى، و كانت عائلته عادية جداً، حالة العائلة متوسطة، و والده هو شيخ القرية، و كان يحلم بأن يصبح ابنه من ضمن العلماء، فلم يبلغ الثامنة حتى علمه القراءة و الكتابة، و شغف الابن بالعلم حتى حلم بالذهاب قريباً إلى قوقند ليكمل تعليمه. يقول ، هندستاني “حين بلغت الثانية عشر وافق والدي على أن أذهب إلى قوقند ، فأرسلني والدي على حصان صغير، لا يختلف حجمه كثيراً عن حجم الحمار، و لم نكد نبتعد كثيراً حتى توقف الحصان على معبر فوق نهر، فترجلت عن الحصان و سمعت صيحات من الخلف، تذكرت حينها أني نسيت أن آخذ مصحفي، و كانت أمي تركض خلفنا للحاق بنا و هي تحمل المصحف، و حمد أبي الله على أن الحصان قد توقف!”

ترك رستم ابنه في رعاية أحد شيوخ قوقند، حتى نال لقب “قاريء” في سنتين، و احتفالاً بهذه المناسة ضحى والده بشاة ثمينة حمداً لله على هذه النعمة. و قد كان محمدجان أفقر طلاب صفه، و لكنه كان أذكاهم، أكمل دراسته في المنهج المعهود، فقرأ القرآن، و “چار كتاب…، و هو مجموعة من النصوص عن الإسلام، و بعض المقاطع الأدبية، و إلى جانب إتقانه الكتابة بالحروف العربية، بدأ بتعلم اللغة العربية نفسها متفوقاً على أقرانه، فتعلم النحو و الصرف، و بعض الأشعار بالإضافة إلى الأوزبكية-لغته الأم.

حين أكمل محمدجان تعليمه الابتدائي بدأ يوفر لقمة عيشه بما تعلمه من القرآن، و قد كان يحمل نعليه في حزامه كي يقيهما من الاهتراء و اضطراره أن يشتري حذاءاً جديداً مع ضيق ذات اليد. و قد كان يعود إلى قريته كل صيف كي يساعد والده في أعمال المزرعة، و لكنه كان يعلم أن هذه ليست الحياة التي يريدها، و بالرغم من أنه تعلم الكثير في قوقند، إلا أنه كان يطمح لتوسيع أفقه، و قد كان طموحه في أن يدرس في أرقى المؤسسات التعليمية فيما بين هرات إلى كاشغر، أراد آن يدرس في بخارى. حين بلغ محمدجان السابعة عشر باع ساعته ليشتري تذكرة القطار إلى بخارى، مودعاً أهله غير عالم بأن هذه بداية رحلة طويلة جداً، ستغير حياته إلى الأبد.

ركب محمدجان القطار، و الذي قدم إلى قوقند قبل نحو عقد من الزمن، و شق القطار طريقه من قوقند عابراً خوجند، إلى خانية بخارى، و التي لم تكن احتلت من قبل الروس بعد. و في القطار قابل رجلاً كبيراً في السن، سأله إن كان يعرف أحداً في بخارى، فأجاب محمدجان بالنفي، فقال له الشيخ “يا ولدي، إن بخارى مدينة كبيرة، و إن لم تكن تعرف فيها أحداً فسينتهي بك الحال في الشارع.” و لكن عندما وصلوا، أوصى هذا الشيخ بمحمدجان إلى أحد شيوخ مدرسة “ميرعرب” الشهيرة في بخارى.

بعد ما تجاوز امتحان دخول مدرسة ميرعرب، واصل محمدجان دراسته على يد شيخه، و لم يكن له دخل من تدريسه في بخارى، و كان يعيش على رغيف أو رغيفين من الخبز في اليوم، حيث لم يكن له مال ليشتري به أرزاً، أو فواكه. و قد ساعدت الصدفة محمدجان على دفع رسوم دراسته، فقد تعثر ذات يوم ليجد تحت رجله خاتماً ذهبياً باعه في سوق الجواهرجيين القوقاز، و حصل على سعر مجز بعد مفاصلة في السعر. و عمل محمدجان بحد كما لم يعمل من قبل. فأتم العلوم الأساسية، فأتقن العربية لغة القرآن،  و الفارسية، لغة الثقافة في بخارى، كما درس الشعر و الخط.

يذكر الشيخ هندستاني أن بخارى كانت تزدحم منذ الخامسة فجراً أمام مدرسة ميرعرب بأنواع الناس، فالتاجيك، و الأفغان، و الترك و العرب و الكشميريون، و اليهود كلهم عاشوا بين الأحد عشر باباً بالإضافة إلى الأوزبك. و خارج المدينة تناثرت القرى التاجيكية و الأوزبكية بين مزارع القمح و البرقوق و الرمان و البطيخ و التوت، بالإضافة إلى الرعاة من القازق الذين يعيشون في الهضبة ما وراء بخارى. و في عام ١٩٠٩ كانت بخارى تمتليء بالحديث، ليس في أمور العلم فقط، و إنما في الأعمال و الزراعة و السياسة، سواءاً كانت السياسة البخارية أم السياسة الدولية، و قد كثر الحديث وقتها في البيوت و في الـ”شاي خانة” عن الحرب و احتمال غزو الروس لبخارى، و يذكر الشيخ هندستاني أن بيت شيخه كان يمتليء بالزوار من الصباح و حتى المساء، يتناقشون في السياسة التي كان يكرهها، و يقول “كنت لا أطيق السياسة، و إنما كان شغفي بالعلم و بالكتب.” حتى أنه هجر بيت معلمه و التجأ إلى زاوية هادئة بجانب إحدى المقابر ليقرأ في هدوء.

يتبع.

Advertisements
3 تعليقات leave one →
  1. deep-rie permalink
    مارس 26, 2011 2:01 مساءً

    طيب الرياض هل هي للجمهور

  2. يونيو 21, 2011 8:20 مساءً

    أوزبكستان بلاد العلماء

  3. لميس permalink
    مايو 3, 2013 4:23 صباحًا

    واو قصته زي الافلام الملهمه ،، اشكرك يارب على نعمي واعيش ايامي انا بيها سامحني على عصياني ربي لاتحرمني منها ~

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: