Skip to content

سمرقند

فبراير 6, 2011

سمرقند هي أعرق مدن آسيا الوسطى، و هي من المدن الموغلة في عمق التاريخ، و إذا ذكرت المدن العريقة، تذكر سمرقند جنباً إلى جنب مع بابل و روما، غزاها الاسكندر المقدوني، و جنگيز خان، و فتحها المسلمون، و اتخدها تيمور لنگ عاصمة له، و أسرف في بنائها و تزيينها، حتى غدت في عهد دولته درة مدائن الأرض، و أنجبت العديد من العلماء، و منهم حفيد تيمور لنگ: ميرزا أولوغ بيگ، و الذي بنى فيها مرصداً فلكياً لم يكن له مثيل في العالم، و لا يزال ميدان ريگستان اليوم شاهداً على ذلك. و أصبحت قبلة للعلماء و المثقفين، خرج إليها الإمام البخاري بعد أن واجه العنت من أهل مدينته بخارى، فعاش فيها و نشر فيها علمه، إلى أن توفاه الله في إحدى قراها. و في كتاب “القند في ذكر علماء سمرقند” للعلامة نجم الدين عمر بن محمد النسفي السمرقندي ذكر ما يربو على ألف من علماء الإسلام من أهل سمرقند. ذكرها ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” بقوله: “ليس في الأرض مدينة أنزه و لا أطيب مستشرفاً من سمرقند”. قال عنها أمين معلوف في روايته المسماة باسمها:”سمرقند، أجمل وجه أدارته الأرض يوماً نحو الشمس”. أما عطاء الملك الجويني حاكم بغداد من قبل المغول فيقول “سمرقند أعظم بقاع مملكة السلطان مساحة و أطيبها ربوعاً، و قديماً قالوا: أنزه جنان الله أربع، و سمرقند أطيبها“. منحت العديد من الألقاب، فهي يوماً “جوهرة الإسلام” و مرة “مرآة العالم”. كانت من أهم محطات طريق الحرير الذي كان عصب اقتصاد العالم.أكتب لكم عن سمرقند على لسان موفد ملك اسپانيا إلى تيمور لنگ، و الذي ساقته أقداره إلى سمرقند فمكث فيها مدة من الزمن، وصف لنا الأجواء في تلك المدينة الرائعة، و فصل لنا عن إبداع تيمور لنگ في عاصمة إمبراطوريته، و جوهرة ملكه.

يقول السفير روي گونزالز دي كلاڤيو عن سمرقند “إن غنى و ترف هذه العاصمة و مقاطعاتها لأعجوبة تستحق التأمل، و لذك تحمل اسمها؛ سمرقند، و إذا رجعت إلى أصل الاسم فإنه يجب أن يكتب “سيمز كِنت”، و هما كلمتان تشيران إلى غنى المدينة، لأن معنى “سيمز” في التركية السمين أو الغني، وكلمة “كِنت” تعني المدينة، و مع الزمن تحول اسمها إلى سمرقند”.و ما ساق السفير الاسپاني إلى سمرقند هو رسالة بعث بها الملك الاسپاني هنري الثالث إلى الأمير تيمور، فقطع ما يقارب ستة آلاف ميل خلال خمسة عشر شهراً، ليصل إلى مدينة شرقية لم يتوقع أن تكون أكبر من اشبيلية، حيث كان عدد أهالي سمرقند مئة و خمسين ألف نسمة. دخل إلى سمرقند من ضواحيها، حيث يذكر أنها تشبه مدناً فخمة بنيت حول سمرقند، و زينت بالحدائق و الأعناب، و سميت كل ضاحية من هذه الضواحي باسم مدينة غزاها الأمير تيمور، فهنا بغداد، و هنا دمشق، و تلك القاهرة، و حولها شيراز، و بعدها السلطانية. كانت أول مقابلة لروي گونزالز دي كلاڤيو مع تيمور لنگ في إحدى حدائقه الغناء، و التي سماها “باغ ديل كوشا”، و هو اسم فارسي معناه “حديقة بهجة القلب”. و بنيت هذه الحديقة باشراف مباشر من تيمور لنگ بمناسبة زواجه من ابنة سلطان مغولستان؛ الأميرة توكال خانم بنت الخان خضر خوجة.

و وصف دي كلاڤيو لسمرقند لا مثيل له، فهو يعد خمسة عشر أو ستة عشر حديقة قي سمرقند، و بالكاد يستطيع أن يصدق ما يراه، فقد بهرته حتى الأسامي، فهذه الحديقة اسمها “الجنة”، و هذه “مفخرة العالم”، و تلك “الحديقة السامية”، و لكل حديقة قصر، و مروج، و جداول رقراقة، و بحيرات و بساتين، و عرائش و ورود.  و من الحدائق “حديقة الميدان” و التي تحوي قصري الأربعين عاموداً ذي الطابقين.  و هناك حديقة “باغ چنار” حيث شاهد دي كلاڤيو قصراً مهيباً في طور البناء، و منها انتقل إلى “باغ نو” أو “الحديقة الجديدة”، حيث أنها محدودة بين أربعة أبراج، يصل بين كل برجين سور شاهق الارتفاع، طول كل جهة منه ميل، و في وسط الحديقة بستان، و في وسط البستان قصر. يقول دي كلاڤيو “إن هذا القصر، مع حديقته الكبيرة هو أبدع قصر زرته إلى اليوم، و هو مزين بقطع من الذهب و البلاط الأزرق، هو الأفخم على الإطلاق”. و قد زين هذا القصر من الداخل بمنحوتات من الرخام، و غطيت الأرضيات بفسيفساء من خشب الأبنوس و العاج. و يروي الحفيد الأعظم لتيمور، بابر شاه مؤسس الإمبراطورية المغولية في الهند، أن الآيات القرآنية التي زينت بها مداخل القصر، يمكن أن تقرأ من على بعد ميلين.

و من أنفس حدائق الأمير تيمور، حديقته الشمالية، و التي بناها بين عامي ١٣٩٦ و ١٣٩٨، و استخدم في تعميرها أفضل المواد، و أحسن الحرفيين من أنحاء مملكته، فقد استورد الرخام لقصره من تبريز، وجلب الفنانين و الرسامين من بلاد فارس، و كانوا تحت إشراف مباشر من عبدالحي، و هو أحد من استجلبهم تيمور من بغداد إبان غزوها عام ١٣٩٣ ليستعملهم في بناء سمرقند. و لم يكن ما يدهش دي كلاڤيو هو جمال الحدائق و القصور فقط، و إنما حجمها المهول، ففي إحدى فترات استراحة الأمير تيمور في سمرقند، و التي استمترت لعامين بنى فيها حديقة عظيمة اسماها “تختة قاراچا”، و يذكر ابن عربشاه، أحد المؤرخين المناوئين للأمير تيمور، أن أحد العاملين في هذه الحديقة فقد فيها فرسه، و لم يستطع أن يجده إلا بعد ستة أشهر.

يتبع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  1. ياقوت الحموي، معجم البلدان.
  2. نجم الدين النسفي، القند في علماء سمرقند.
  3. Justin Marozzi, Tamerlane: Sword of Islam, Conqueror of The World
Advertisements
9 تعليقات leave one →
  1. فبراير 7, 2011 6:09 صباحًا

    جزاك الله خير علي هذه المعلومات التي تزيدنا اشتياقا لزيارتها

  2. لطفية خوجة permalink
    فبراير 9, 2011 6:31 صباحًا

    زادك الله من علمه ياابني وشوقتنا للزيارة الله يكتب لنا هي انشاء الله

    • عبدالعزيز عزيز permalink*
      فبراير 9, 2011 4:58 مساءً

      شكراً يا أمي، و زيارتك نورت الصفحة.

  3. لطفية خوجة permalink
    فبراير 10, 2011 4:01 صباحًا

    شكرا لك ابني الحبيب

  4. Maha Bokari permalink
    فبراير 13, 2011 5:08 صباحًا

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة أحب أني اشكركم على هذة المعلومات القيمة عن بلادنا التي نكاد لانعلم شيئاً عنهاوبرغم ذلك نفتخر اشد الفخر أننا منها ونعلم أنه إن كانت فينا صفات طيبة فهي موروثات أجدادنا الأبطال المجاهدون واخص نفسي بالجهل ومن هم في نفس جيلنا أوظروفنا فأنالاأعلم عن جدي الذي لم اراه سوى أنه قد جاءمن تركستان وهو شيخ كبير قدبلغ السبعين خوفا ًمن القتل لكونه من العلماء الأجلاء وتزوج من جدتي وهي من إحدى القبائل العربية السعودية ثم توفي بعد سنوات قليلة أنجبت له جدتي فيها أعمامي ,عماتي الذين لاأعرف غيرهم من أهلي التركستانيين ونعلم اننا من إنديجان ايضاً ولنا أهل هناك لانعرفهم !!

    • عبدالعزيز عزيز permalink*
      فبراير 13, 2011 11:37 صباحًا

      حياكي الله أخت مها، و يحق للتركستانيين الفخر فبلادنا قد أنجبت أعظم القادة و العلماء في المجالين الديني و الدنيوي على مر العصور، و يجب علينا أن نستمر في طريقهم من الجد و الاجتهاد و تحقيق المعجزات حتى نكون جديرين بهذا الفخر.

  5. عابد جان permalink
    فبراير 13, 2011 9:37 صباحًا

    الابن عبدالعزيز أكن لك كل المحبة والتقدير لما خطه يداك في مدونتك “البخاريون” عن التراث البخارية وثقافتهم ومدنهم مثل بخارى وسمرقند وغير ذلك.
    ولي اضافة بسـيطة لمدينة سـمرقند..
    سـمرقند مازالت درة مدائن الأرض بمآثرها,ماضيها عريق وحاضرها يحاكي المجد.
    إذا رجعت إلى أصل الاسم فإنه يتكون من كلمتان “سيمز كِنت”، و تشيران إلى غنى المدينة، لأن معنى “سيمز” في التركية السمين أو الغني، وكلمة “كِنت” تعني المدينة، و تحول اسمها لى سمرقند “المدينة الغنية”.
    وكما اطلق عليها قديما “ماراقانده” يعني ماوراء النهر. ولقد دخل الاسلام أراضيها في القرن الأول الهجري الموافق السابع الميلادي أيام الفتوحات الاسلامية حيث فتحها القائدالمسلم قتيبة بن مسلم عام 705م. وقد جاء في الأثر بأن الرسول صلى الله عيه وسلم قال: ” ستفتح من بعدي مدينة في خراسان وراء نهر جيحون تسمى سمرقند وأنها مدينة محفوظة” مما يدل على ان نبينا الكريم أولى اهتماما بها ودعا صحابته وألهمهم الى فتحها.
    ومدينة سـمرقند بها المآثر الاسلامية التي تذهل العقول , ولا ننسى انها أنجبت العديد من العلماء في شتى الميادين ولايسعنا ذكرهم هنا واكتفي بذكر العالم الفلكي ميرزا ألوغ بيك حفيد الأمير تيمور لنك الذي شيد أكبر مرصد فلكي في زمانه.

    • عبدالعزيز عزيز permalink*
      فبراير 13, 2011 11:37 صباحًا

      شكراً لك عم عابد على إضافتك القيمة، و لا نستغني عن معلوماتك الجميلة.

  6. عابد جان permalink
    فبراير 13, 2011 5:44 مساءً

    لقد لاحظت خطأ مطبعي في بدايةالمقال أرجو تصحيحه : “أنجبت العديد من العملاء” الى العلماء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: