Skip to content

الحرمان في آداب وسط آسيا

أبريل 2, 2010

كتبت في الأسبوع الماضي الجزء الأول من مقالتي عن وادي فرغانة، و أردت أن أورد الجزء الثاني اليوم، و لكن أعتذر عن ذلك بسبب تعطل كمبيوتري، فأحببت أن أشارككم هذه المقالة المنقولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صورة مكة والمدينة والحج في آداب وسط آسيا:
رحلات الحج القازاقية نموذجاً
د. جلال السعيد الحفناوي
أستاذ اللغات الشرقية والحضارة الإسلامية المساعد
الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية
مقدمة:
نالت صورة مكة والمدينة والحج مكانة بارزة في آداب وسط آسيا وهي: الأدب القازافي والأدب الأوزبكي والأدب الطاجيكي والأدب التركماني والأدب القيرغيزي وأنتجت الشعوب الإسلامية في منطقة وسط آسيا أدباً وفيراً تناول الجوانب الحضارية المختلفة لمكة المكرمة والمدينة المنورة وتجربة الحج الإيمانية وذلك من خلال الشعر والنثر وأدب رحلات الحج. ويتناول هذا البحث صورة مكة المكرمة والمدينة المنورة في رحلات الحج القازاقية كنموذج لما أنتجته الشعوب الإسلامية في وسط آسيا من أدب وفير في هذا الفن الأدبي الذي نشأ وترعرع في ظل الإسلام والحضارة الإسلامية، لأن أهم بواعث الرحلة وأعظمها شأناً عند المسلمين هي تأدية فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وظلت مكة المكرمة والمدينة المنورة الملاذ الآمن للشعوب الإسلامية عامة ولمسلمي وسط آسيا خاصة حيث كانت قلوب مسلمي وسط لآسيا عامة وقلوب مسلمي قازاقستان خاصة تهفو إلى زيارة الأماكن المقدسة ليعبوا من فيض علمها الوافر حيث كان الحرم المكي – ولا يزال – جامعة إسلامية مفتوحة لعلماء العالم الإسلامي والملاذ الآمن لهم فهاجر إليه علماء وسط آسيا وعاشوا في مكة مجاورين فألفوا وأبدعوا بفضل عبقرية المكان مؤلفات عظيمة في شتى مجالات المعرفة كان لها دور مهم في تغيير الوجه الحضاري للشعوب الإسلامية في وسط آسيا، أضف إلى هذا الحافز السياسي والجهادي الذي جذب علماء وسط آسيا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث شكل الحرمان الشريفان الوعي السياسي لحركات التحرر ضد الروس واستمدوا من المجاورة أفكاراً دينية وجهادية ساعدتهم في حركات الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، وهذا ما يؤكد على عالمية مكة المكرمة وأنها عاصمة الثقافة الإسلامية في الماضي والحاضر والمستقبل على مر العصور. تعتبر كتابات الرحالة القازاق وشهاداتهم عن مكة المكرمة والمدينة المنورة مصدراً مهماً من المصادر التاريخية، ومادة علمية يمكن أن تساعدنا في التعرف على كثير من الجوانب المهمة في تاريخ مكة المكرمة وتأثيرها في مسلمي قازاقستان بشكل خاص ومسلمي وسط آسيا بشكل عام.
ونحن الآن بصدد رحلات الحج القازاقية التي قام بها رحالة مسلمون من قازاقستان بوسط آسيا متتبعاً هذه الرحلات من الناحية التاريخية منذ البدايات الأولى لهذا الفن وحتى العصر الحديث ومقدماً لنماذج من الرحلات القازاقية والتي جعلت الرحالة القازاق يشدون الرحالة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة طلباً لأداء الفريضة وطلب العلم، والهجرة إلى الله، والمجاورة، وطلب الإجازات العلمية التي تعد أرفع الإجازات شأناً لدى مسلمي قازاقستان ووسط آسيا. وسيركز البحث على وصف لرحلة لصورة مكة والمدينة، والأثر السياسي والاجتماعي والديني واللغوي لهذه الرحلات في مسلمي قازاقستان ومكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان مسلمي قازاقستان.
وسوف نقدم لذلك بمبحث عن دخول الإسلام إلى قازاقستان ووسط آسيا والآثار الحضارية التي ترتبت على انتشار الإسلام والأسر العربية في منطقة وسط آسيا وما أعقب ذلك من غزو روسي للجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا ومحاولته الفاشلة في إبعاد مسلمي وسط آسيا عن الإسلام وكيف دارت عليه الدوائر ونال مسلمو وسط آسيا استقلالهم عام 1991م، أتناول بالذكر مكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان مسلمي وسط آسيا. ويتكون البحث من ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: وسط آسيا بين الفتح الإسلامي والغزو الروسي.
أ- مدخل جغرافي
ب- مدخل تاريخي
ج- مدخل حضاري
د- مكة والمدينة في وجدان مسلمي وسط آسيا
المبحث الثاني: رحلات الحج القازاقية القديمة: دراسة تاريخية.
المبحث الثالث: صورة مكة والمدينة والحج في رحلات الحج القازاقية الحديثة.
وأختم البحث بأهم النتائج والتوصيات التي توصل إليها البحث.

المبحث الأول:
وسط آسيا بين الفتح الإسلامي والغزو الروسي
أ- وسط آسيا: مدخل جغرافي:
وسط آسيا أو آسيا الوسطى، هي تسمية حديثة لمنطقة عرفها الجغرافيون المسلمون بخراسان، وبلاد ما وراء النهر، وتتوزع خراسان التاريخية في الوقت الحاضر بين إيران وأفغانستان وتركمانستان.
ويقصد ببلاد ما وراء النهر أو (طوران) الإقليم الواقع شمال شرق نهر جيحون. وفي آسيا الوسطى تقع منطقة تعرف بـ(تركستان) وهي منطقة واسعة في وسط آسيا ويقصد بها بلاد الترك إذ كانت مجال انتقالهم وموطن قبائلهم. وتمتد من بحر قزوين في الغرب، إلى جبال آلتاو في الشرق، ومن خراسان وصحراء قره فورم في الجنوب الغربي، إلى جبال الاورال وسيبيريا في الشمال والشمال الشرقي. وتحدها في الوقت الحاضر – شمالاً سيبيريا ومنغوليا وجنوباً أفغانستان وكشمير والتبت، وشرقاً الصين، وغرباً إيران وبحر قزوين وتقدر مساحة تركستان بحوالي خمسة ملايين كيلومتر مربع وهي تنقسم قسمين: 1- تركستان الغربية وكانت تخضع لحكم الاتحاد السوفيتي وهي مقسمة إلي خمس جمهوريات مستقلة الآن هي: أوزبكستان وطاجيكستان وقازاقستان وتركمانستان وقيرغيزستان، ويمتد تعريف تركستان الغربية ليشمل أراضي قازاقستان التي يقع جزء كبير منها شمال وشرق نهر سيحون، بل شمال بحر الأورال الذي يصب فيه كلا النهرين: سيحون وجيحون. وتقع قازاقستان في وسط آسيا في القسم الأوسط لقارة أوربا وآسيا وشمال آسيا الوسطي، وتقع على السواحل الشرفية لبحر الخزر حتى حدود جمهورية الصين الشرقية، يحدها من الغرب نهر الفولجا ومن الشرق جبال آلتاو، ويحدها من الشمال سهول سيبيريا، ويحدها من الجنوب صحراء آسيا الوسطى، ولها حدود مع روسيا الفدرالية في الشمال وأوزبكستان في الجنوب وتركمانستان في الجنوب الغزلي وقيرغيزستان في الجنوب الشرقي. وتبلغ مساحة قازاقستان 2.717.300 كم، وهي أكبر جمهورية في آسيا الوسطى وعدد سكانها نحو سبعة عشرة مليون نسمة وعاصمتها السابقة (آلماتا) والعاصمة الجديدة هي (آستانة) منذ عام 1997م، ويمثل القازاق 46% من السكان والروس 35 % و19 % قوميات أخرى، والقازاق مسلمون سنيون على المذهب الحنفي والجمهوريات الأخرى هي: أوزبكستان وعاصمتها طشقند ومساحتها 449.600كم وعدد سكانها نحو عشرين مليون نسمة من بينهم 80 % اوزبك و5،5 % روس و9.5 % طاجيك و7،5 % قوميات أخرى ويتحدثون باللغة الأوزبكية وكانت تكتب بالخط العربي حتى عام 1923م.
وجمهورية طاجيكستان وعاصماتها دوشنبة ومساحتها 1431500كم وعدد سكانها نحو ستة ملايين ونصف مليون نسمة من بينهم 65 % طاجيك و25 % أوزبك و4 % روس و6 % قوميات أخرى ويتحدثون باللغة الفارسية والأوزبكية وتكتب الفارسية الطاجيكية بالخط العربي.
وجمهورية قيرغيزستان وعاصمتها السابقة (فرونز) والجديدة (بشكك) ومساحتها 198.500 كم وعدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة من بينها 57 % قيرغيز، و18 % روس و14 % أوزبك و11 % قوميات أخرى ويتحدثون اللغة القيرغيزية وهي لغة أتراك وسط آسيا.
وجمهورية تركمانستان وعاصماتها (عشق آباد) ومساحتها 4888.100 كم وعدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة من بينهم 77 % تركمان، و77 % روس، 9 % أوزيك و7 % قوميات أخرى.
ب- وسط آسيا: مدخل تاريخي:
1- الفتح الإسلامي لوسط آسيا:
ذكر ابن الأثير أن اتصال العرب بشعوب وسط آسيا تم في سنة 22هـ عندما تقدم الأحنف بن قيس في أجزاء من المنطقة متعقباً يزدجرد ملك فارس التي هرب إليها عقب هزيمته، وابتداء من عام 31هـ أخذ النفوذ العربي يتوطد في المنطقة، إذ سار في ذلك العام عبد الله بن عامر بن كريز على رأس حملة عسكرية موفداً من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، بمكنة هذه الحملة من فتح بلدان كثيرة في بلاد تركستان الغربية وحاول فتح بعض المناطق المجاورة للنهر.
وفي خلافة معاوية بن أبي سفيان تقدم الصحابي الحكم بن عمرو الغفاري عام 50هـ (270م) نحو المنطقة الجنوبية من بلاد (التركستان) حتى اجتاز نهر جيحون، في جنوب (أوزبكستان) فكان أول من اجتاز النهر بقوات إسلامية إلى داخل بلاد التركستان.
وفي عام 54هـ تقدم عبيد الله بن زياد فيما وراء النهر ووصل إلى جبال بخاري فكان أول من قطع جبال بخاري في جيش ففتح رامني ونسف وبيكند وهي من بخاري وغنم غنائم كثيرة. تعتبر سنة 586 (705م) بداية مرحلة جديدة من الفتح الإسلامي لبلاد التركستان حيث بدأ الفتح الحقيقي لبلاد ما وراء النهر، ذلك لأنها السنة التي قام الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق بتولية قتيبة بن مسلم الباهلي علي خراسان. كانت خراسان قاعدة تخرج منها النزوات الخاطفة في موسم الصيف ثم تعود إلى القاعدة الرئيسية في الشتاء، وقد اقترنت هذه الغارات الثغرية على منطقة ما وراء النهر بأسماء عبد الله بن زياد، وسعيد بن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن زياد، ويزيد بن المهلب وعبد الله بن حازم.
أحرز المسلمون أكبر انتصاراتهم في وسط آسيا فيما بين عامي 587 – 597 (705 – 715) وهي الفترة التي حكم فيها قتيبة بن مسلم بلاد خراسان. ولقد كان الإسلام يتقدم نحو المشرق بلا توقف وكانت المقاومة شديدة في بخاري وسمرقند بحيث كان المسلمون لا يفارقون أسلحتهم في المساجد أو في خارجها. ولكن هؤلاء الفاتحين المسلمين كانوا يؤلفون قلوب الأتراك، فكانوا يعطون لكل تركي درهمين كلما ذهب إلى المسجد وكانوا يسمحون بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفارسية ليفهمها أكبر عدد من سكان المنطقة فأنشأ قتيبة المساجد في بخاري وسمرقند وغيرهما من مدن ما وراء النهر. وكان أول مسجد بني في هذه المنطقة هو مسجد بخارى الذي أنشأه قتيبة سنة 594 (712م) في قلعة كانت تضم معبداً وثنياً يعتقد أنه كان معبداً بوذياً. وكانت مرحلة التوسع العربي في بلاد ما وراء النهر على يد قتيبة بن مسلم الباهلي، واستغرقت عشر سنوات توزعت على أربع مراحل، استعاد في الأولى طخرستان السفلي واستولى على طالقان وبلخ وذلك في عام 576 (705م)، ومن سنة 87 إلى سنة 590 (705 – 708م) استولي علي وبخارى، في الثالثة خلال السنوات من 91 إلى 593 (709 – 711م) توغلت قواته في وادي جيحون وبلاد الصغد، أما الرابعة وهي الأخيرة وتمتد من سنة 94 إلى 97هـ (712 – 714م) فقد تركزت على المناطق الواقعة على نهر سيحون ووصلت قواته إلى الشاش شمالاً وكاشغر شرقاً، وولي العمال العرب على جميع البلاد بما فيها فرغانه.
ثم أتم فتح أوزبكستان ودعم انتشار الدعوة الإسلامية هناك. واقتضت الفتوحات العربية في وسط آسيا تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين، بلغ عددهم قرابة خمسين ألف مقاتل في عام 96هـ توزعوا على تسعة آلاف من أهل البصرة والعالية، ومن بكر بن وائل سبعة آلاف، ومن تميم عشرة آلاف، وعبد القيس أربعة آلاف، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف.
وكان أعظم الانتصارات العربية في آسيا الوسطى تلك التي انتصر فيها العباسيون على الصينيين في معركة طالاس سنة 134هـ (752م) وفي عهد العباسيين انتشر الأمن على الحدود وشجع العباسيون الأتراك على اعتناق الإسلام بالإكثار من استخدامهم في الإدارة، بل في الجيش نفسه، وبمعنى آخر توسع العباسيون في باب توظيف أتراك آسيا الوسطى في أجهزة الدولة أكثر مما فعله الأمويين.
وفي القرن الثالث الهجري اعتنق عدد كبير من قبائل التركستان الإسلام في عهد الخليفة المعتصم وفي القرن الرابع الهجري نقل الأتراك السامانيون الدعوة الإسلامية حتى حدود الصين. وتكونت دول إسلامية تركية كانت أولها أمارة القراخاينين وكان مقرها مدينة كاشغر وكانوا يسمون أحياناً بمدينة الجيش (اردوكنت) واستولى القراخانيون على آسيا الوسطي بعد هزيمة السامليين سنة 539-999م حتى تمكن السلاجقة من إخضاع القراخانيين وسلطان كاشغر لحكمهم وقام إقليم خوارزم بدور كبير في نشر الإسلام في المنطقة وفي القوقاز أيضاً، وفد أثمرت العلاقات بين العرب والخوارزميين من قبل إسلام الخوارزميين وقامت دولة إسلامية مستقلة فيها. واستمر الأمر على ذلك إلى أن ظهر الروس على المسرح السياسي منذ سنة 332هـ (943 – 944م) وقد وصفهم مسكويه بقوله: أمة عظيمة: ولهم بأس شديد، ولا يعرفون الهزيمة، ولا يول الرجل منهم حتى يقتل. وقد شرعوا يهددون البلدان الإسلامية التي بجوارهم).
وفي القرن الخامس الهجري نشر الأتراك السلاجقة الإسلام في مناطق جديدة من التركستان. وفي العصر العباسي الثاني، بدأ التفكك في الدولة الإسلامية، وسادت النزاعات المحلية والعصبيات العرقية وقامت في دويلات عديدة فصارت الدولة الإسلامية مطمعاً للغزاة.
وفي القرن السابع الهجري سيطر المغول على بلاد التركستان الغربية ثم لم تلبث إمبراطورية المغول أن تجزأت إلى عدة دول يحكم كل واحد منها (خان) مستقل اعتنق ديانة المنطقة التي حكمها فدخل خانات غرب آسيا ووسطها في الإسلام، واعتنق خان الصين البوذية. وورث التتار إمبراطورية المغول الواسعة فتوسعوا في فارس والعراق والشام وآسيا الصغرى وروسيا.
وكان لدخول (خانات) المغول في الدين الإسلامي تأثير في انتشار الإسلام وتكوين دولة إسلامية في عهد الأمير (بركة خان) عام 583 هـ \ 1422م.
ثم ما لبثت أن ضعفت دولتهم وتجزأت وبدأت الولايات في الانفصال عنها. ومن هذه الولايات التي انفصلت روسيا، التي بدأت في الظهور كقوة في المنطقة. فحاربت التتار واحتلت بلادهم، وتوسعت شرقاً في بلاد ما وراء النهر التي كانت في حالة من التفكك والضعف، حتى أحكم الروس سيطرتهم على وسط آسيا وكان ذلك نحو عام 1302هـ\ 1884م
2- الغزو الروسي لوسط آسيا:
بدأ التوسع الروسي في منطقة تركستان في أواسط القرن السادس عشر الميلادي وتواصلت حلقاته حتى مطلع القرن العشرين. وكان إقليم البامير التابع لطاجيكستان الحالية آخر إقليم إسلامي ضمه الروس 1900م. ولم يستطع الغزو الروسي أن يوقف انتشار الإسلام ولم يحد من نشاطه، بل على العكس حيث نجد أن الإسلام سجل تقدماً هائلاً في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أيام حكم كاثرين الثانية على سبيل المثال لا الحصر.
وأخذت القوات الروسية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر تزحف على المناطق الإسلامية في آسيا الوسطى وتضمها بالتدريج إلى حدود الإمبراطورية الروسية، وكانت التشكيلة السياسية لآسيا الوسطى وتركستان الشرقية عند الاستيلاء الروسي على النحو التالي:
الدولة الأوزبكية في آسيا الوسطي.
دولة بني يادجار في خوارزم.
دولة أمراء ما نجيت نوغلي في عربي قازاقستان.
دولة سلاطين القازاق في الشمال الغربي لقازاقستان.
دولة بني جاعتاي في تركستان الشرقية وولاية بني صو.
واستمرت الحرب بين الأتراك والروس في هذه المنطقة أكثر من نصف قرن، وفي القرن الثامن عشر الميلادي خطا الروس أولى خطوة لهم في سبيل السيطرة على آسيا الوسطى، وبعد أن فشلوا في هجومهم على خيوه ستة 1838 نجح أول هجوم روسي على خانية خوقند عام 1865م وهو ما أسفر عن دخول طشقند وضمها إلى روسيا وبعدها دخلت سمرقند وإمارة بخارى 1868م تحت الوصاية الروسية، كما دخلت تحتها أيضاً خانية خيوة 1876م وصارت سيطرة الروس كاملة على آسيا الوسطى، في عام 1868م تغير اسم هذه المنطقة إلى اسم تركستان واختار الروس طشقند لتكون عاصمة هذه المنطقة، وخطا الروس خطوات واسعة في سبيل تغلغل الثقافة الروسية في آسيا الوسطى على حساب الثقافة الإسلامية، وشاعت الأفكار والألفاظ الجديد التي كانت مطلوبة لبيان الثقافة الجديد في مسيرة الحياة اليومية، وقد استقرت السلطة السوفيتية في طشقند لأول مرة في نوفمبر 1917.
وقام الروس بتفريغ جمهوريات آسيا الوسطى من مواطنيها الأتراك المسلمين واستبدالها بعرقيات أخرى، ونقل المسلمين إلى مناطق أخرى أو ما عرفت بالهندسة البشرية، وممارسة القمع المستمر بتكلفة يسيرة بسبب القرب المكاني بين حدود روسيا ومواقع هذه البلاد، وتدمير القوة الروسية للمسلمين بإخضاعهم أولاً لموجات التنصير، ثم ثانياً لفلسفات الإلحاد الشيوعي.
وقاموا بتشريد المسلمين وقتلهم بأحكام إعدام وبالنفي إلي سيبيريا، وهدم المساجد، وقد بلغ عدد المساجد التي تم هدمها أو إغلاقها أو تحويلها إلى دور لهو 6882 مسجداً. وتخلصوا من رجال الدين البارزين المستقلين أو المعادين ومنهم الشيخ برهان البخاري قاضي قضاة تركستان، والشيخ خان مروتن خان مفتي بخاري، وقتلوا الزعماء السياسيين وشردوهم مثل الحاج خواجه منار رئيس جمهورية تركستان، ومولانا ثابت رئيس مجلس الوزراء، وعثمان أوراز قائد مقاطعة كاشغر.
وحظر الاتحاد السوفيتي تدريس الدين الإسلامي في المدارس والجامعات وأعلن أن الشيوعية الماركسية واللينينية هي أيديولوجية الاتحاد السوفيتي الرسمية، والنضال من أجلها هو أحد عقائدها، وكل دين يعتبر عدواً لدوداً لها. وشنت السلطة الشيوعية أكبر هجوم لها على الدين الإسلامي 1928م وأستمر هذا الهجوم وهذا العداء ولم يتوقف. وقد تميز بإغلاق الجوامع كلها إلا النادر جداً منها، ورافق هذا الهجوم حملات دعائية شعواء ضد الدين الإسلامي كانت تنسق بحيث تحقق أقصى ما يمكن من تأثير كان يشنها (اتحاد المناضلين في سبيل الكفر بالله) الذي تأسس 1925م ثم بدأت في 1932م بملاحقة رجال الدين المسلمين الذين كانوا يتهمون بتخريب الثورة أو التجسس لصالح اليابان أو ألمانيا أو بريطانيا في نهاية المطاف.
ورغم هذا الاحتلال والعزلة نجح مسلمو آسيا الوسطى في المحافظة على هويتهم الإسلامية في وجه الظلم والبطش الشيوعي من خلال المحافظة على الشريعة الإسلامية وحفظ القرآن والزواج على الشريعة الإسلامية وكانوا يصومون ويصلون سراً حتى سقط الاتحاد السوفيتي في 25 ديسمبر 1991م.
3- استقلال الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا:
استقلت الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا وهي: قازقستان وأوزبكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وطاجيكستان عن الاتحاد السوفيتي المنحل في 25 ديسمبر 1191م بعد قرون من المعاناة من التوسع الروسي في هذه المناطق والذي بدأ في أواسط القرن السادس عشر الميلادي، واستمر حتى الثورة الشيوعية في عام 1917م والتي كادت أن تقضي على التراث الإسلامي في هذه الجمهوريات بعد أن أعلنت الثورة الشيوعية معاداتها الصريحة للدين ومارست اضطهادها الشديد ضد المسلمين، وثم تمزيق هذه الشعوب الإسلامية وإخضاعها التام للسلطة الشيوعية وحورب الإسلام، ومنع أهله من ممارسة عقائدهم وشعائرهم، وقسمت بلاد المسلمين في آسيا الوسطى إلى دول صغيرة فرضت عليها الشيوعية من ناحية والعزلة عن بعضها البعض من ناحية أخرى.
وسبق انهيار الاتحاد السوفيتي حركات مقاومة إسلامية شديدة قامت على إثبات الهوية الإسلامية للمنطقة، مثل الصدام المسلح الذي حدث عام 1978م بين سكان جمهورية قازقستان، والقوات الروسية وقامت على إثره القوات الروسية باستخدام القوة الميكانيكية لقمعه ثم سقط الاتحاد السوفيتي في 25 ديسمبر 1991م.
يقول الزعيم الشعبي القومي مصطفى أوغلوا عقب انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي: نعم لم نعد نعرف كيف نصلي لكننا نؤمن بالله رباً وبسيدنا محمد رسولاً ونبياً ونعرف أننا على الإسلام نحيا وعلى الإسلام نموت، لكننا لا نعرف هذا الجمال الذي يملأ قلوبنا والذي في سبيله قاومنا الشيوعية. إني آمر – من الآن – بأن يرفع الآذان في كل المساجد التي أغلقها الشيوعيون، يرفع خمس مرات في اليوم إلى أن يتعلم شعبنا كيف يصلي، عندئذ يكون الآذان ومعه تقام الصلاة في كل أرجاء بلادنا. لقد عادت إلينا شخصيتنا الإسلامية، ولا يمكن التفريط فيها. إننا مسلمون وسنظل مسلمين والدين نتعلمه.
وقد بادرت الملكة العربية السعودية بالاتصال بالجمهوريات المذكورة بمجرد استقلالها فأوفدت الوفود لتدعيم العلاقات معها، وسعت لدى منظمة المؤتمر الإسلامي لمنحها عضوية البنك الإسلامي للتنمية لمساعدتها في تمويل مشروعاتها. وقدمت المملكة المساعدات المختلفة خاصة النقدية إلى تلك الجمهوريات.
ج)- وسط آسيا: مدخل حضاري:
توسع المسلمون في فتح منطقة وسط آسيا حتى وصلت قواتهم إلى حدود الصين، وذلك على يد القائد العربي الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي الذي عمل على توطين العرب الفاتحين ودمجهم في مجتمع وسط آسيا وتشجيع اختلاطهم بالسكان الأصليين مما أدى إلى قيام مجتمع جديد تسوده الثقافة العربية الإسلامية. وجذبت المنطقة أفواجاً من المهاجرين العرب الباحثين عن الاستقرار والإقامة الدائمة في فترات تاريخية متعاقبة نتج عنها حركة ثقافية نشطة محورها العربية التي أصبحت اللغة الأساسية للسكان، ويبدو أن ظروفاً الاستقرار أدت إلى ازدهار الحركة الفكرية في وسط آسيا ازدهاراً ملموساً تبدو ملامحه واضحة من خلال آلاف العلماء والشعراء والأدباء والفلاسفة الذين برزوا في تلك المنطقة، وتعدي تأثيرهم إلى مناطق عربية بسبت عاملين رئيسيين هما:
أولهما: الرحلة إلى الحج.
وثانيهما: الرغبة في الاستزادة من العلم في مدن مثل مكة والمدينة وبغداد ودمشق والقاهرة، والمشاركة في التعليم في مدارسهم وجوامعهم وحلقات العلم فيهم.
1- الوجود العربي في وسط آسيا:
منذ القرن الهجري الأول استقر العرب في مناطق كثيرة في وسط آسيا في مدن مثل: نيسابون ومرو وبلخ وسمرقند وبخارى وآمل ونسف ونرمذ، وقرية مثل (شوال) القريبة من مرو و(درغم) التي حل فيها بني مالك، و(إستا) ونزلها بعض بني خزاعة، و(فرقان) التي استوطنها جماعة من عبس وبني هاشم وبني زهيرة و(كرجه) التي استقر فيها عدد كبير من المقاتلين العرب بذرياتهم، من بينهم جماعات من طيء وبأهلة وتميم والأزد وأطلقوا أسماء مواضع عربية من شبه الجزيرة على مواطن في وسط آسيا مثل: شوكان ويزن وفنين وخوي وبشير وبرقان وبيان وقد واصل ولاة مثل أشرس بن عبد الله السلمي (108 – 110هـ/727- 729م) عملية الدمج والتعريب بإنشاء الربط والخوانق والمدارس وتثبيت أقدام الثقافة العربية وقد مرت عملية اندماج العرب المتحضرين وتلاحمهم مع السكان الصليبين بعدة مراحل، ففي البدء ظل بعضهم محافظاً على نسبته العربية رغم أنه أصبح في عداد المنتمين إلى بلد بعينه من بلدان وسط آسيا فيقال فلان التميمي من أهل سمرقند أو بأسدي من أهل بخاري. ثم جاءت مرحلة ثانية أصبح العربي يحمل فيها نسبتين إحداهما إلي القبيلة والأخرى إلي المدينة أو القرية التي استوطنها فيقال التميمي السمرقندي، والأسدى البخاري، والأزدي المروزي، والتميمي الأشتيخي.
وتختلف الإحصاءات الخاصة بعدد عرب آسيا الوسطى في العصر الحديث اعتماداً على التاريخ الذي تم فيه إحصاؤهم. فقد جرى تقديرهم في بخارى عام. 1820م بحوالي خمسين ألف نسمة، وقدر فامبري عددهم في بخاري عام 1863م بستين ألف نسمه، وقدر غاير عدد عرب سمرقند في عام 1901م بعشرين ألف نسمه. وعادة ما تتقدم أسماء العرب الذين اندمجوا في وسط آسيا ألقاب تميزهم منها (خواجه) والتي يقصد بها المنتمون إلي علي بن أبي طالب من غير فاطمة وكذا المنتمون إلى أبي بكر وعمر، ومثل لقب (شيخ).
ولا تحمل معظم الشخصيات العربية التي نصفها ضمن مفهوم المرحلة الأخيرة أية نسبة تدل على أصلها العربي، وإن كان هذا لا يعني انعدام نماذج حملت النسبة العربية إلى القرن العاشر الهجري مثل الملا أبو بكر شيخ زاده العلوي الذي ينتسب إلى محمد بن الحنفية، وكان يقطن سمرقند.
ومصدر شهرتهم أنهم كانوا قادة لمجموعات صوفية ارتقب مكانتهم بين السكان المحليين مع الزمن إلى درجة القدسية نذكر من بينهم: أحمد بن إبراهيم اليسوي المتوفي عام 562هـ، وهو من سلالة محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، وكان من تلاميذ يوسف الهمداني، وهو مؤسس الطريقة اليسوية حسب اعتقاد المصادر التركية والفارسية التي تحدثت عنه.
2- مساهمة علماء وسط آسيا في الحضارية الإسلامية:
أدى انتشار العرب في وسط آسيا، واعتناق سكانها الأصليين للإسلام إلى غلبة اللغة العربية لغة وثقافة في أرجاء المنطقة، مما أدى إلى تحول حواضرها الشهيرة مثل بخاري وسمرقند والشاش وترمذ ونسا ومرو ونسف وبيهق وخجند إلى مراكز علمية تحفل بالشراء والعلماء والأدباء واستقطب بعضها لطالبي العلم من مدن وأقاليم العالم العربي حيث كانوا يردون إليها للأخذ سكن علمائها والسماع عليها، كما أن بعض علماء المنطقة تنقلوا في مدن وحواضر العالم العربي وعلى رأسها مكة المكرمة والمدينة المنورة للالتقاء بالعلماء والدرس عليهم والأخذ عنهم، أو التدريس في مدارسها وجوامعها وقد ساعد الإسلام على توحيد الشعوب المختلفة في وسط آسيا وآثر في عادات الناس وتقاليدهم ولعب دوراً مهماً في تقدمهم الحضاري كما لعبت شعوب وسط آسيا بدورها دوراً مهماً في ازدهار الحضارة الإسلامية. ففي عهد الطاهريين والسامانيين ظهرت المدارس الإسلامية في آسيا الوسطى، وبرزت مراكز إسلامية قوية في العلوم والثقافة الإسلامية، خاصة ظهور بخاري وظهور سمرقند في هذا المضمار، وبذا ظهر الأطباء والحفاظ والفقهاء والشعراء واللغويين والنحاة والمفسرون كرجال عظام أفرزتهم هذه المنطقة، وإن ذكر البخاري والترمذي لا بد أن يكون دليلاً على هذا. ومما لا شك فيه أن الخطوات الأولى التي أدت إلى ازدهار العلم الإسلامي في آسيا الوسطى قد تمت في القرنين الثاني والثالث الهجري.
وقد أنجبت منطقة وسط آسيا مجموعة من أشهر العلماء في تاريخ الإسلام ممن لا نحتاج إلى التعريف بهم نظراً لتأثيرهم البين ودورهم الكبير في مسيرة الفكر العربي والإسلامي نذكر منهم، في مجال الحديث أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفي سنة 256هـ. ومحمد بن مزيد بن ماجه (ت: 273هـ) ومحمد بن عيسى الترمذي (ت: 278هـ) وأبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت: 303هـ) وأبا بكر بن أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله البيهقي (ت: 458هـ) والحسين بن مسعود الفراء البغوي (ت: 510هـ).
وفي مجال الفقه: أبا بكر بن محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي (ت: 279هـ)، وأبا العباس جعفر بن محمد المستغفري النسفي (ت: 432هـ) وشمس الأمة محمد بن أحمد السرخسي (ت:482هـ).
ومن الذين كتبوا حول الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهر ستاني (ت 549 هـ).
ومن اللغويين والنحاة: إسماعيل بن حماد الجوهري (ت: 393ه‍) وجار الله محمود بن عمر الزمخشري (538هـ) وناصر بن عبد السيد الخوارزمي (ت: 649هـ).
وفي العلوم: أحمد بن كثير الفرغاني المشهور في علم الهيئة، ومحمد بن موسى الخوارزمي واضع علم الجبر (ت: 236هـ) وأبا علي الحسين بن عبد الله بن سينا صاحب القانون في الطب (ت: 432هـ) وأبا الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي (ت: 440هـ) ومن الفلاسفة أبا نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (ت: 339هـ).
إلى جانب علماء آخرين لا يتسع المجال لذكرهم وكانت لهم مشاركة كبيرة في بناء صرح الحضارة الإسلامية من خلال إسهاماتهم العلمية في شتى ميادين المعرفة وما أنتجوه من كتب صارت مصادر أساسية للعلوم العربية والإسلامية عند المسلمين في العالم الإسلامي، وصارت منابع أصيلة في العلوم الأخرى كالطب والهندسة والفلك والرياضيات لدى العلماء والباحثين الأوربيين الذين درسوها واستفادوا منها.
د- مكة والمدينة في وجدان مسلمي وسط آسيا:
ظلت مكة المكرمة والمدينة المنورة ماثلة في وجدان مسلمي وسط آسيا وستظل أفئدتهم تهوي إليهما، ومنتهى أملهم أن يشدوا الرحال إلى الحرمين الشريفين مهاجرين ومجاورين وكانوا يعتبرونهما وطناً ثانياً لهم خاصة بعد الغزو الروسي لوسط آسيا. واتخذوا منهما ملاذاً آمناً وقاعدة للتعليم والدراسة ونيل الإجازات العلمية من الحرمين الشريفين ومن ثم العودة إلى بلادهم لرفع لواء الجهاد والإصلاح الديني، وقد تركت رحلات الحج القازاقية آثاراً بليغة في مسلمي وسط آسيا حيث تسابق الأمراء والأغنياء في إرسال التحف والهدايا والأموال للحرمين الشريفين وبناء المدارس والأربطة في مكة والمدينة، وتؤكد الروايات القازافية أن كونانباي والد الشاعر آباي بنى رباطاً للحجاج في مكة المكرمة اسمه (طاقية) وقد أطلق أهل مكة المكرمة لقب (البخارية) على كل القادمين من وسط آسيا والجمهوريات الإسلامية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي السابق وسكان تركستان الغربية من القازاق والأوزبك والتركسان والطاجيك والقيرغيز إضافة إلى القادمين من القوفاز كالداغستانيين والشيشان والشراكسة الذين تدفقوا على مكة المكرمة بعد عام 1362هـ أي بعد أن شن الروس حروبهم على وسط آسيا وضموها إلى الاتحاد السوفيتي الشيوعي، وعندما بدأ الروس محاربة الدين الإسلامي بالتضييق على المسلمين من خلال إغلاق المدارس الدينية والمساجد ومنعهم من الصلاة ومن التحدث بلغاتهم وتغيير أبجديتها من الخط العربي الذي كان يربطهم بالقرآن الكريم إلى الأبجدية الروسية وفرض عليهم التعليم والتحدث باللغة الروسية. عندئذ هاجرت كثير من العائلات القازاقية والأوزبكية والطاجيكية والقيرغيزية والتركمانية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة مجاورين واتخذوا أجزاء من مكة والمدينة مناطق خاصة سميت بأسمائهم مثل زقاق البخارية و(شوهدت مكة في هذا العهد تنقسم باعتبار الأجناس إلى أقسام تشبه المستعمرات في منطقة يحتلها جاليات الترك، وثانية يحتلها أهل بنغاله والهند وغيرها يحتلها أهل بخاري).
ونقلت هذه الجاليات معها إلى مكة عاداتها وتقاليدها وأخلاقها وكثيراً من صناعتها، ونستطيع القول أن مجموعة الأجناس والجاليات أثرت في تكوين طابع مكة حتى إذا استقام ذلك الطابع استطاع أن يدمغ جميع القاطنين والمجاورين بدمغة واحدة يبدو أثرها في أكثر تقاليدهم وعاداتهم ولغتهم وطريقة حياتهم.
كان للمجاورة في مكة آثار متعددة منها الأثر الديني حيث كانت الغاية من المجاورة لكثير من مجاوري الحرم الشريف، العبادة وتلقي العلوم الدينية وقد نال المجاورون من وسط آسيا حظاً وافراً من العلوم الدينية سواء بالسماع أو الإجازة. يقول الدكتور عبد الله العثيمين عن تأثر بيئة المدينة المنورة في طلاب العلم الذين رحلوا إليها من أنحاء العالم الإسلامي ووسط آسيا: (كانت المدينة المنورة ملتقى العلماء وطلاب العلم من مختلف الإفطار الإسلامية، كان بعض هؤلاء يأتي إليها فيستقر بها، وكان بعضهم يأتي إليها فيستقيم فيها فترة ثم يغادرها إلى وطنه وقد ضمت في تلك الفترة بالذات علماء درس عليهم وتأثر بهم عدد ممن أصبحت لهم أدوار مهمة في بلدانهم خرو ذلك العصر).
وكثير من الأسر البخارية الموجودة الآن بمكة والمدينة جاءوا في البداية للحج وفضلوا البقاء في تلك البلاد المقدسة الآمنة حيث يستطيعون أن يمارسوا شعائرهم الدينية بحرية ويتعلموا أصول دينهم حتى صاروا مثلاً للشجاعة والإقدام في الشوق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة رغم المخاطر التي كانت تحفهم من كل جانب حتى أن الشاعر الباكستاني محمد إقبال عندما تحدث عن رحلته الخيالية للحج لم يجد سوى الفتى البخاري ليشاركه هذه التجربة الفريدة.
1- علماء وسط آسيا في مكة والمدينة:
ظلت مكة المكرمة أهم مركز لجدب علماء وسط آسيا بشكل خاص وعلماء العلم الإسلامي من المشرق والمغرب على السواء مما جعلها عاصمة للثقافة الإسلامية قديماً وحديثاً، وقد ضاعف من مكانة مكة الثقافية والريادة العلمية الموجات المتتالية من الرحلات العلمية التي قام بها علماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلباً للعلم والمجاورة لبيت الله الحرام والتي كانت تستغرق سنوات وأحيانا مدى الحياة، وقد أسهم العلماء المجاورون في وجود مثل هذه الظاهرة الفريدة التي انفردت بها مكة دون غيرها من الحواضر الإسلامية.
وبدأت مكة المكرمة تستقبل أعداداً كبيرة من علماء وسط آسيا مهاجرين ومحاورين مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وكان لهؤلاء العلماء البخاريين دور بارز في الحركة العلمية في مكة المكرمة عبر العصور بعد أن صاروا جزءاً من النسيج الاجتماعي لسكان مكة من حيث إنشاء المدارس والكتاتيب والتدريس في الحرم وكانوا من البيوت التي تخصصت للعلم.
ومن (بيوت العلم البخارية نذكر بيت السيد كوجك وعرف منه العلامة السيد عبد الله البخاري وكان قد جاور بمكة في أواخر القرن الثالث عشر واشتغل بالتدريس، وقد توفي عام 1297هـ عن ذرية كان منهم السيد حسن كوجك من أئمة المقام الحنفي).
ومنهم: عبد المجيد بن عبد العزيز الأزري مولاهم المروزي الأصل أبو عبد المجيد المكي، روي عنه مسلم، وتوفي بمكة سنة 206هـ
ومحمد بن إسحاق بن شبويه الخراساني ثم البيكندي، قدم مصر وحدث بها عن عبد الرازق بن همام وغيره ثم خرج إلى مكة وتوفي بها سنة 262هـ
وأبو نصر أحمد بن إسحاق بن شيث بن نصر بن شعث الفقيه الصفار من أهل بخاري سكن مكة ومات بالطائف بعد سنة 450هـ
وإبراهيم بن حمزة بن نبكى بن محمد الخاواباذي البخاري، سمع بمكة وتوفي بالمدينة في سنة 506هـ
ومحمد بن عمر بن عثمان بن عبد العزيز بن طاهر البخاري وأبو بكر الحنفي إمام الحنفية بالحرم الشريف جاور مكة وتوفي سنة 525هـ
ومحمد بن محمد بن علي الكاشغري أقام بمكة أربع عشرة سنة وتوفي 507هـ.
وعلي بن محمد بن المناظر بن سعد الدين العلوي علاء الدين المعروف بالخوارزمي نزيل مكة، توفي سنة 768هـ ومحمد بن محمد بن شمس الدين المعيد الخوارزمي إمام مقام الحنفية بالمسجد الحرام، توفي بمكة سنة 813هـ.
ومحمد بن محمد بن محمد شمس الدين الجعفري البخاري فقيه حنفي جاور بمكة ومات بها أو بالمدينة سنة 822هـ
ومحمد علي بن محمد ولي البخاري الحنفي المشهور بالقربي أستاذ الأقراء بالمسجد الحرام، توفي بمكة سنة 1070هـ
وعبد الله بن محمد الطاهر بن محمد العباسي المكي أحد علماء الشافعية بمكة طاشقندي الأصل توفي بمكة سنة 1095هـ ومن البيوت العلمية أسرة الخجندي التي تعود أصولهم إلى مدينة خنجند في إقليم فرغانة بجمهورية أوزبكستان الحالية. منهم: احمد بن محمد بن محمد أبو طاهر الخجندي المدني المتوفى سنة 802 هـ
ومحمد بن طاهر بن أحمد بن محمد غياث الدين الخجندي المدني المتوفى سنة 843هـ
وإبراهيم بن أحمد بن محمد البرهان أبو محمد الخجندي المدني المتوفى سنة 851هـ
وعبد الله بن إبراهيم الجلال أحمد بن محمد الخجندي المدني سنة 863هـ وعلي بن محمد بن إبراهيم بن جلال الدين أحمد بن محمد بن محمد أبو النور الخجندي والمدني مات سنة 871هـ
وأحمد بن طاهر بن احمد بن محمد بن محمد الخجندي المدني المتوفى ستة 880 هـ
وإبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن احمد بن محمد البرهان الخجندي المدني المتوفى سنة 897هـ
2- المدارس التي أنشأها البخاريون في مكة المكرمة:
تجدر الإشارة هنا إلى أن دولة المماليك التي كانت تحكم مصر والشام وبرز فيها قادة يشار إليهم بالبنان مثل: سيف الدين قطز والظاهر بيبرس والسلطان قلاوون ومحمد بن قلاوون وقايتباي والمنصور بن قلاوون ينحدرون من وسط آسيا وبالتحديد من جمهورية قازاقستان الحالية، وهم وإن كانوا قد دحروا المغول في الشام ووقفوا زحفهم على مصر والعالم الإسلامي وتصدوا للصليبيين فإنهم تسابقوا فيما بينها لتقديم التحف والهدايا للحرمين الشريفين وكذاك عمارة الحرمين وبناء المدارس في مكة المكرمة ومن هذه المدارس:
2- المدرسة الأرغونية مؤسسها الأمير أرغون الدوادار أحد مماليك المنصور قلاوون، وقد ولاه نيابة حلب، وكان له ميل للمذهب الحنفي فأقبل على دراسته ومهر فيه، إلى أن صار يعد من أهل الإفتاء وقد دعاه ميله الشديد إلى هذا المذهب إلى تقرير دروس الحنفية بدار العجلة بمكة المكرمة وأول من درس بهذه المدرسة يوسف بن الحسن الحنفي المكي فقد درس بها عدة سنين. وفي أيام الفاسي كانت المدرسة تحت إشراف أولاد راجح بن أبي نمي شريف مكة المكرمة في ذلك الحين. وعند الحديث عن المدارس يقول الفاسي في كتابه شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: (ومنها بالجانب الشامي مدرسة بدار العجلة، وهي التي سكن يمين الخارج من باب المسجد المعروف بباب العجلة. ولم أدر من وقفها ولامتي وقفت ثم عمل فيها الأمير أرغون النائب مدرساً للحنفية قبيل العشرين وسبعمائة أو بعدها بيسير.) الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام.
وقد توقف التدريس بهذه المدرسة والمدرسة الزنجبيلية في الربع الأول من القرن التاسع الهجري وذلك لانتقال المدرس الذي كان يدرس في كل منهما إلى الحرم الشريف.
ب- مدرسة قايتباي:
أمر السلطان المملوكي قايتباي وكيله شمس الدين محمد بن عمر، الشهير بابن الزمن أن يبني مدرسة في مكة المكرمة تدرس فيها المذاهب الأربعة فاشترى ابن الزمن داراً من الشريفة شمسية من إشراف بني حسن، ثم هدم الدار، ورباط السدرة ورباط المراغي كي يبني مكانها مدرسة قايتباي.
شرع العمل بها عام 882هـ وكان الفراغ من بنائها عام 884هـ، وكانت المدرسة جميلة إذ جعلها من الرخام الملون أما سقفها فكان مذهباً، وكانت تضم اثنتين وسبعين خلوة ومجمعاً مشرفاً على المسجد الحرام كما كانت تضم مكتبة، ومئذنة.
وقرر السلطان أن يكون بالمدرسة أربعة مدرسين، كل يدرس أحد المذاهب، كما قرر أن يكون بالدراسة أربعون طالباً. وقد أرسل للمدرسين مجموعة كبيرة من الكتب، ويذكر النهروالي أن المستعيرين أتلفوا الكثير من تلك الكتب، ولم يبق منها سوى 300 مجلد وقد عمل بنفسه على تجليدها وصيانتها وقد أوقف عليها مؤسسها عدة دور بمكة المكرمة وجعل أجرها وقفاً على المدرسة.
وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري أعيد تنظيم أمور أوقاف هذه المدرسة ففي عام 1080هـ عين الشيخ محمد بن سليمان المغربي مشرفاً على شؤون الأوقاف بمكة المكرمة وكان من خيرة علماء المغرب رحل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وآسيا الصغرى ثم عاد إلى مكة المكرمة وعين مشرفاً على الأوقاف وفي عام 1084هـ أخرج من كان يسكن خلاوى مدرسة قايتباي، وأمر أن تكرى أوقاف المدرسة، فارتفع دخل المدرسة السنوي من 600 قرش إلى 4600 قرش، وعين في المدرسة أربعة مدرسين، بعد أن استبدل تدريس المذهب الحنبلي بتدريس الحديث، ومن المدرسين الذين عينها: محمد الغزالي الغداسي مدرساً للفقه المالكي، وعبد الله العباسي مدرساً للحديث.

المبحث الثاني:
رحلات الحج القازاقية القديمة
دراسة تاريخية:
كانت رحلة الحج وما تزال من أهم مظاهر الوحدة في العالم الإسلامي من ناحية، كما أنها كانت ولا تزال من أقوى الوشائج والروابط التي تجمع بين المسلمين الذين يأتون لأداء، فريضة الحج من كل فج عميق من ناحية أخرى وكانت رحلة الحج خاصة من أهم الإنجازات الثقافية الإسلامية أنها رصدت لنا معالم طريق الحج، والخصائص الجغرافية للمناطق التي تمر بها قوافل الحجاج فضلاً عن الأحداث السياسية والعسكرية للناس في تلك المناطق، وعاداتهم، وتقاليدهم إلى جانب فعالياتهم العلمية والفكرية والثقافية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنقطع المقالة عند هذا الحد و يبدو أنها غير مكتملة، و ذلك من المصدر.

Advertisements
3 تعليقات leave one →
  1. لطفية خوجة permalink
    أبريل 2, 2010 7:43 مساءً

    الابن العزيز / ياريت زودت الموضوع خريطة توضح طرق سير الحجاج باختصار وحتى وصولهم الديار المقدسة مع الشكر

  2. tomi permalink
    أبريل 3, 2010 12:50 مساءً

    ماشاء الله معلومات وافره وقيمه
    سيدي كان احد المسلمين الذين هاجروا لأداء الحج والعمره
    ولكنه لم يعد لبلاده لنشوب الحرب والأستعمار فيها

    شوووكرن

  3. عصام سنجر خان permalink
    ديسمبر 25, 2010 12:09 مساءً

    اخواني الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    مجهود كبير واشكر لكم جهودوكم وانفسي اشارك معكم ..

    اخوكم ابو عبدالله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: