Skip to content

الهون الآسيويون-٢

أكتوبر 25, 2009

أدت المركزية إلى الثورة فالتحول من قبائل متفرق إلى نظام حاكم يلزم وجود طبقات حاكمة و محكومة. و يتطلب اختيار قائد فذ، يجمع عليه جميع رؤساء القبائل الأخرى، بحيث يكون أمره و حكمه نافذاً عليهم، و قد اختار الهون أن يكون حاكمهم مختاراً من السماء بحكم إلهي. و هذه الفكرة قد وجدت لدى الشعوب التركو-مغولية لاحقاً متمثلة في إله السماء “تنگري” و استمداد شرعية الحاكم من كونه مختاراً من الإله. لكن الحاكم لدى الهون “چان يو” كان أقل سلطة من الامبراطور في الصين، و لكنه كان القائد العام للجيش في حالة الحرب، و عليه أن يستشير جميع رؤساء القبائل في الأمور الداخلية. و بذلك فإن المركزية لم تكن بعد مكتملة كما في الصين أو في الامبراطوريات التركو-مغولية لاحقاً.

تنوعت مهام الچان يو من مهمات سماوية و أرضية. فكما يذكر المؤرخ الصيني سيما چيان “كان على الحاكم أن يقدر سنوياً عدد الشعب، و دوابهم.” و هو مسؤول أيضاً عن إنفاذ القوانين، جنباً إلى جنب مع مهامه كقائد ديني في تأدية الشعائر و تقديم القرابين في المواقع المقدسة، في “لونگ چنگ” غير بعيد عن العاصمة المغولية أولان باتار. و فكرة السلطة الدينية وهبت سلالة الحاكم شخصية جاذبة، و تمتع كل شخص فيها بالنفوذ، حتى إن لم يكن من الحكام. و كان توريث الحكم سلساً من أخ إلى أخيه، أو من أبٍ إلى ابنه، و استمر ذلك حوالي المئتي سنة بعد مودَن، عدا خمسة عشر سنة من الحروب الأهلية. و هذا يعتبر إنجازاً بالنظر في تاريخ السلالات التركو-مغولية و التي حكمت دولاً كثيرة لاحقاً.

بعد تسلم الچان يو -أو ما صار يعرف لاحقاً بالخاقان- السلطة، كان عليه أن يبسط قوته في محيط أكبر من عائلته، و وزرائه و قبيلته إلى نطاق أوسع حتى يضمن ولاء القبائل الأخرى بتقديم المنافع لهم. و كان عليه أن يصهر جميع الجيوش القبلية في الجيش واحد سريع التحرك. و لكي يثبت جدارته كان لا بد له من أن يحقق العدالة للجميع حتى يصمت الشك في نفوس القبائل الأخرى. و التوسع العسكري هو من الخطط الهامة لتكوين الدولة، و يلحق ذلك مكافأة القواد الناجحين بمنحهم مناصب و سلطات أقوى حتى يكسب ولاءهم. و من الخطوات الأخيرة في بناء الإمبراطورية هو هيكلة المناصب حيث يروي لنا سيما چيان أن القيادات العليا تكونت من أربع و عشرين رئيساً لعشرة آلاف فارس و لهم ألقاب من قبيل “الملك الحكيم لليمين و اليسار، ملك لو-لي لليمين و اليسار، جنرالات اليمين و اليسار، مديرو الشؤون الداخلية لليمين و اليسار، مركيز كو-تو لليمين و اليسار”، و كانت المناصب العليا توارثية، و محصورة في ثلاث عائلات “مكونين بذلك أرستقراطية”. و كل واحد من الرــــــــــــــــــوساء الأربع و العشرين يعين له “قائداً للألف، و قائداً للمئة، و قائداً للعشرة” . كما يعين لنفسه قواداً و وزراءاً و نواباً لقبيلته. و هذا التقسيم أي لليمين “الغرب” و اليسار “الشرق” و التقسيم العشري للجيش بقي متوارثاً في النظم العسكرية التركو-مغولية اللاحقة*.

مع الوقت، أبدت مباديء الهون السياسية قوة في اتجاهين. أولها، أن الصين الموحدة حديثاً كان عليها المواجهة مع الإمبراطورية التي أنشأها مودَن،و التي امتدت من منشوريا إلى آسيا الوسطى. و كانت الدولة تستمد ميزانيتها من الجزية أو الضرائب المفروضة على محكوميها من القبائل البدوية و المدن الزراعية في حوض تريم، و التي وفرت لدولة الهون محصولات زراعية متنوعة. كما كانت تأخذ الجزية من عائلة هان التي تحكم الصين. و تم ذلك لدولة الهون بعد هزيمة الإمبراطور الصيني “كاو تزو ٢٠٦-١٩٤ ق.م.” و فشل قادته العسكريين و الذين أهدوا ذلك النصر للهون. و تبعاً لذلك تم توقيع معاهدة “هو چين” أو “السلام بالتراحم و التناسب” ومقرين بذلك هزيمة الصين و دفعها الجزية لدولة الهون.

و شكلت معاهدة هو چين “١٩٨ ق.م.” انكساراً غير مسبوق لشوكة الصين، و التي لم يعد باستطاعتها مواجهة الهون القوة العظيمة التي لا تقعر. و تشكلت سياسة الصين المستقبلية في جعل قادة الهون يعتمدون على الصين. و بدأ ذلك بإرسال الإمبراطور الصيني كاو تزو ابنته كزوجة لمودَن حتى يكون الحاكم المستقبلي للهون حفيداً للإمبراطور الصيني و بذلك يكون للإمبراطور تأثير على قائد الهون. و تم ذلك بإرسال ابنت الإمبراطور مصحوبة بهدايا ثمينة “كرشوة” و بعلماء و كهان كي يقوموا بإتمام الزواج حسب تقاليدهم.

و بذلك الزواج أصبحت هناك قوتان عظيمتان في آسيا، رغم أن الصين استمرت في دفع الجزية للهون لأنها كانت في موقف الضعيف أمام الهون. و لم تدفع الصين الجزية لأي دولة كانت تعتبرها “بربرية” سوى دولة الهون. و لم يمنع ذلك من استمرار المناوشات بين الطرفين أو طلب الهون زيادة مقدار الجزية. و بتوزيع الچان يو الثروة بين محكوميه و وقوع المال في أيديهم كان لا بد لهم من سوق يشترون به بضائع صينية، فكان هناك سوق على الحدود الصينية- الهونية يبادل فيه الهون دوابهم ببضاعة صينية. و كان ازدهار امبراطورية الهون في عصر الإمبراطور الصيني “وِن تي ١٧٩-٥٧ ق.م.” و في رسالة مودَن “أصبح الناس الذين يشدون القوس عائلة واحدة. و أرسل الإمبراطور وِن قائلاً “أصبحت أمتانا العظيمتان ، الهان و الهون، تقفان جنباً إلى جنب”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* راجع مقالتي عن الرز البخاري، و جيش تيمور لنك.

في هذا الرابط تجد جدولاً بأسماء قادة الهون بأسمائهم الصينية و الفعلية.

Advertisements
No comments yet

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: